قوة الداخل أهمّ
أحسنُ سياسةٍ ينبغي اعتمادُها اليوم في ظل هذا العدد الهائل من التحديات والضغوط وأحيانا التهديدات التي تعرفها بلادنا، سواء من الاتحاد الأوروبي أو من المُطبِّعين أو غيرهم، هي أن نتحول إلى الداخل وأن نُفكِّر بمنهجية المستقبل التي تستفيد من دروس الماضي والحاضر؛ أي أن نُعيد قراءة أوضاعنا الداخلية قراءة صحيحة، وأن نُصَحِّحَ كافة المسارات الخاطئة التي قد يتسرَّب من خلالها الأعداء مستقبلا، بعيدا عن كل ردة فعل أو الوقوع ضمن ضغط اللحظة الراهنة أو قيود الماضي القريب والبعيد.
وهذا التصحيح ينبغي في تقديري أن يبدأ بالاتفاق جماعيا على الشروع بالتزامن في إعادة بناء ثلاثة مسارات: التعليم، العدالة، الحرية. وسيكون ذلك جوهر العمل السياسي أو منتهى السياسة التي تجعل من المستقبل المدخل الأساس لتجاوز خلافات الحاضر وتحويل هذا التهديدات الصارخة إلى انتصارات أكيدة.
أليس بإمكاننا فتح نقاش واسع للاتفاق على ثلاث مسائل رئيسة؟
ـ التعليم الذي سيمكِّننا من بناء الفرد السوي في كافة المناحي: الأخلاق، التربية، العقيدة، الانتماء. كما سيمكّننا من اكتساب المعارف والتكنولوجيات التي تُبعد عنّا تدريجيا التبعية المطلقة وتمكِّننا من بناء اقتصاد قوي ومستقل.
ـ العدالة التي ستُمكِّننا من إقامة نظام سياسي غير ظالم، وستُمكِّن كل ذي حق من أخذ حقه، وتَمنع الظلم، وتُعاقب الظالم، وتُفشي الأمن والاستقرار.
ـ الحرية التي ستُمكِّن كل أفراد المجتمع من الإبداع والابتكار، إذ ستتفجر الطاقات، وتبرز المواهب، ويتمكن الناس من قول كلمة الحق وتصحيح الأخطاء من دون خروج عن الأخلاق أو مساس بحقوق الآخرين (نتيجة التعليم الصحيح)، ودون الخوف من الظلم (نتيجة سيادة العدالة).
هل هناك استحالة للقيام بهذا اليوم قبل الغد لتجاوز نقطة التحول الحساسة هذه التي تمر بها بلادنا؟ ألا يبدو واضحا للجميع أن أي توجه غير مبني على هذه الركائز الثلاث لا يمكنه أن يقيم دولة مُحَصَّنة ضد أي ضغوط خارجية أو داخلية، والأكثر من ذلك قد يجرُّنا إلى معارك هامشية لا نهاية لها ونحن في غنى عنها، بما في ذلك الموقف من المُطبِّعين؟
أليست فرصتُنا اليوم سانحة للاتفاق بدل الافتراق؟
لا أتصوَّر بأننا سنختلف حول هذه الغايات لو فتحنا نقاشا هادئا بين جميع الأطراف. لماذا لا نغتنم هذه الفرصة ونُحوِّل التهديدات إلى فرص؟
إن المسألة لا تزيد على وصول غالبية المتخاصمين اليوم إلى قناعة مفادها أننا إذا لم نتفق سنخسر جميعا إن عاجلا أم آجلا، لأن الخصم، وحتى مَن نعتبره صديقا، لن يسمح لأي طرف بالانتصار مهما كانت قوَّتُه.
هل يتصور عاقلٌ أن المتربصين ببلادنا، وحتى الحلفاء الذين ندخل ضمن أجنداتهم السياسية أو رؤيتهم الإستراتيجية، سيسمحون لطرفٍ أن ينتصر على آخر؟
أليست الطريق واضحة لمن أراد البناء الحقيقي بعيدا عن الإصرار من هذا أو المزايدة من ذاك؟
هل من العقل ألا نستبق السقوط في فخّ نعرف مسبقا طبيعته؟
إن الإيمان الحقيقي والوطنية الحقيقية اليوم، تفرض على الجميع تبني مسارٍ استباقي حقيقي لما ينتظرنا من صعوبات، وقد أُحيط بنا من كل جانب.
لا ينفع غدا إلقاءُ اللوم على هذا الطرف أو ذاك، ولا يشفع لأحد قول إنني لم أكن السبب.. الآخر هو سبب الكارثة.. لن تنفع مثل هذه التبريرات بعد السقوط.
لنتَّعظ من غيرنا، ولِنطوي صفحة الجدل العقيم، والصراعات الصفرية.. ولِنتجاوز عواطف الانتقام، ولنضع نصب أعيننا أنه حتى وإن لم يبق لنا سوى قليل من الوقت، فإننا نملك الكثير من الإرادة والأمل لتحقيق الانتصار.. المستقبل يجمعنا بالضرورة، لنعمل من أجل التحكُّم فيه.