قوتنا في الخارج.. ضعفنا في الداخل
هناك نوع من محاولة خنق الجزائر من الخارج بحزام من الأزمات والحروب الأهلية حتى تُذعن أكثر للمطلوب منها دوليا، وحتى تزداد هشاشة ويسهل ابتزازها ماليا وسياسيا في أكثر من موقع. وإلى حد الآن، اعتمدت بلادنا على مبدإ عدم التدخل في هذه الأزمات وعدم التورط فيها بأي طريقة كانت للدفاع عن نفسها، في الوقت الذي اتبعت دول أخرى- عربية ودولية- لا تربطها علاقة جوار مباشرة مع الحزام المحيط بنا سياسة التدخل المباشر أحيانا بالمال وأخرى بالسلاح وثالثة بالوسيلتين معا.. وما زالت تفعل وتسعى إلى مزيد من الضغط على بلادنا لأجل الإذعان التام للمخطط المُعد للمنطقة، القائم على كسر شوكة أكبر قوة فيها ومنعها من أداء دور القيادة.
في ظل هذا الموقف، ليس أمام بلدنا سوى بديلين: إما تعزيز الجبهة الداخلية والاستمرار في اعتماد سياسة مستقلة وفاعلة في الساحة الإقليمية والدولية لأجل الانتقال إلى مصاف الدول الصاعدة الفاعلة والقادرة على حماية قرارها الداخلي والخارجي. أو الإبقاء عليها ضعيفة مشتتة كما هي عليه الآن، والرضوخ لمزيد من الضغوط الدولية والاستجابة لمطالبها التي ستمس من سيادتنا على أرضنا وعلى ثرواتنا وواقعنا السياسي.
لا أشك في أن هناك ضغطا رهيبا على بلادنا لاتخاذ قرار الاستثمار في الغاز الصخري، وفي البقاء على وتيرة الاستيراد متصاعدة مع بعض البلدان، وفي منع الاستثمار الوطني من الانطلاق في كثير من القطاعات الحيوية، وفي اتخاذ عدة قرارات اقتصادية وسياسية وحتى ثقافية أحيانا، ولم يعد هذا الضغط خافيا اليوم على أحد، في كافة المستويات، بل أصبحنا نراه واضحا في كثير من خلال الكثير من القرارات المتخذة.. وليس أمامنا سوى بديل واحد لنخرج بسلام من عنق الزجاجة: أن نعزز جبهتنا الداخلية التي تكاد تكون في أضعف أحوالها.
ليس من مصلحة أحد أن يبقى الوضع كما هو عليه الآن، وليس من مصلحة بلدنا أن لا يتم الاعتراف بالتداول على السلطة للجيل الجديد، وليس من مصلحتنا الاستراتيجية أن نصر على الإقصاء وأن نحتفل بانتصارات غير حقيقية على بعضنا البعض، وأن ندخل في مجال تصفية الحسابات وتغيير الأشخاص الذين يعارضوننا الرأي أو السياسة أو الطرح الإيديولوجي… إلا إذا كنا غير وطنيين ونريد أن ينجح مخطط الضغط على بلادنا… وبدل أن تزداد قوتنا في الخارج بقوتنا في الداخل.. يحطم ضعفنا في الداخل ما بقي لنا من قوة في الخارج وينهار كل شيء. وكلنا أمل في أبناء وطننا ألا يحدث هذا…