كتابٌ جديد يؤرِّخ للقضية الفلسطينية ويفكك السرديات الصهيونية
صدر عن مخبر الدراسات والبحوث في حضارة المغرب الإسلامي بجامعة قسنطينة 2 عبد الحميد مهري، كتاب جديد جمع أوراقا علمية لمجموعة من الأساتذة الباحثين قدَّموا مقاربات تاريخية وفكرية متعددة، عملت على تفكيك المشروع الصهيوني من منظور شامل، وذلك من خلال ربطه بجذوره الكولونيالية، واستحضار ذاكرة الفلسطينيين في مقاومتهم للاحتلال، وقد حمل عنوان: فلسطين في مواجهة مشاريع الاحتلال والاستيطان: من العدوان الصليبي إلى العدوان الصهيوني (230 صفحة).
في أتون الحرب الهمجية التي شنّها الاحتلال الصهيوني على غزة لمدة عامين كاملين، وأمام مشاهد العدوان المتواصل والمجازر الجماعية الوحشية المستمرة التي طالت كل سكان القطاع الصّامد دون استثناء، عادت القضية الفلسطينية لتتموضع كأهم قضايا الإنسانية المعاصرة، باعتبارها أحد أبرز تمظهرات الاستعمار الاستيطاني، وانطلاقا من كونها تمثِّل اختبارا أخلاقيا ومعرفيا لضمير العالم الحديث، وكاشفة -في الوقت نفسه- عن عمق التواطؤ الدولي مع المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي بلغ اختلاق المبررات لهذا العدوان حدّ اختراع سرديّات تتجاهل واقع الاحتلال، وعن فشل المنظومة القانونية والحقوقية العالمية في حماية الضحايا، رغم الجهود التي بذلتها الدول المناهضة لهذه الأفعال الإجرامية. وهكذا اصطدمت -في هذا السياق- جهود الجزائر وجنوب إفريقيا وغيرهما بإصرار “المركز الغربي” على حماية المشروع الصهيوني، ونقض كل مبادرة ترمي إلى وقف عدوانه ووضع حدّ لجرائمه.
لقد مثّل هذا العدوان امتدادا لمسار تاريخي طويل من سياسات الإبادة والاقتلاع والتهويد، تداخلت فيه سرديات الصهاينة مع مخططات القوى الكبرى، لتنتهي بزرع هذا الكيان وحمايته، ليضطلع بدور قاعدة متقدمة للمشروع الغربي في قلب المنطقة العربية والإسلامية، وهو ما دفعنا -من موقعنا الأكاديمي- إلى إعادة فحص المفاهيم والسرديات التي أحاطت بالقضية الفلسطينية، وربطها بجذورها العميقة الممتدة إلى تجارب الاحتلال الصليبي، في تقاطع واضح مع ما نعيشه اليوم من استعمار استيطاني جديد، يستخدم أدوات الحداثة في تنفيذ مشروع الإبادة أمام أعين العالم المتفرج.
قدّم للكتاب منسقُ أوراقه: د. عبد الناصر جبار، وأبرز الخيط الناظم بين الأبحاث العلمية التي تحيط بفترات زمنية متباعدة لكنها مترابطة في الوقت ذاته، وقدّم مقارنة بين السياسة الإسلامية في القدس التي تميزت بالتعايش والسلام طيلة قرون، وبين ممارسات الاستعمار الصهيوني الاستيطاني، ثم عرض في فقرات مختصرة ومركزة لمضمون العمل.
كتب الورقة العلمية الأولى الأستاذ الباحث حمزة قادري وعنونها: بيت المقدس بين الاحتلال الصليبي والتحرير الأيوبي: قراءة في أسباب الانتكاسة ومقومات التحرير. وقد مثّل بالنسبة للكتاب مرحلة الحروب الصليبية التي استهدفت دار الإسلام وطمعت إلى احتلال أجزاء منها، فتناول أوضاع العالم الإسلامي قبل سقوط بيت المقدس مبرزا أثر التفكُّك والصراعات الداخلية في توفير ظروف الهزيمة ومسبباتها، بما سهَّل على الغزاة الصليبيين اكتساح مجالات واسعة من أراضي المسلمين الغارقين في دوامة الصراع المذهبي والسياسي، فاحتلوا العديد من المدن مثل أنطاكية والرها وطرابلس، وبلغوا بيت المقدس دون أن يصطدموا بمقاومة حقيقية توازي مكانة القدس ومركزيتها العقائدية، وقد شرّح قادري جيدا حالة المشرق الإسلامي وأبرز حالة التنافس والصراع والمكائد المتبادلة والتشرذم السياسي الذي حوَّل المدن إلى إمارات محلية، بينما كانت مؤسسة الخلافة رسما دون معنى واسما دون روح وفعالية، وفقدت السلطنة السلجوقية قوتها وانتظام أمرها ووحدة مؤسستها.
من أجل معركة التحرير تابع حمزة قادري مسار صلاح الدين الأيوبي، وبحث جيدا في مخططات مشروعه التحرري، فقد قرأ الخريطة السياسية للمنطقة، ووضع لها الدواء المناسب قبل استئناف الحرب ضد الصليبيين، فكان منطلقه تجاوز أسباب الخلاف، وتحقيق الوحدة الإسلامية، وتوحيد مؤسسة الخلافة تحت راية العباسيين الروحية، والضرب بيد من حديد على تجار التمرُّد ومرتزقته، فأوجد بذلك الظروف المناسبة لتحقيق النصر، وتخليص القدس.
كانت الورقة العلمية الثانية في الكتاب للأستاذة الباحثة: سهام دحماني بعنوان: دور علماء الغرب الإسلامي في مواجهة الغزو الصليبي بالمشرق: المقاطعة الاقتصادية. وهو مقالٌ يقدِّم رؤية مختلفة للصراع الإسلامي الصليبي، ويحفر في المؤلفات الفقهية عن جذور المقاطعة الاقتصادية ومنطلقاتها الشرعية، فبيَّنت في ورقتها انخراط فقهاء الأمة وأعلامها في الجهود الرامية إلى التصدي للمشروع الصليبي، وتدخلهم من أجل تجاوز الصراع السياسي والقصور الذي كان عليه السّاسة وأعوانهم، وممّا استحضرته من فتاوى فقهاء الغرب الإسلامي؛ فتوى محيى الدين ابن العربي بمقاطعة زيارة بيت المقدس في زمن تغلب الإفرنج عليها، بما يجعل لفتوى فقهاء العصر بذلك عقب الاحتلال الصهيوني للمدينة سنة 1967 جذرا في اجتهادات المسلمين.
استدعت دحماني في قضية المقاطعة الاقتصادية الفتوى الشهيرة للفقيه المالكي أبو بكر الطرطوشي بتحريم الجبن الرومي، ومنحته تفسيرا مختلفا، فمع أن استدلالات الفتوى كما نقرأه يحيل إلى استحضار فقه الطهارة والتذكية، لكن الباحثة ربطته بسياق الحروب الصليبية بالنظر إلى الأثر الذي ترتب عن الفتوى، وفي السياق ذاته استحضرت امتناع الشيخ أبي مدين شعيب عن أكل بقلة الروم، وفسّرت ذلك بخشيته أن يظن به الناس الذين يعظِّمونه أنه موالٍ لهم؛ لأنها منسوبة إليهم، وختمت دحماني ورقتها بالبحث عن مدى تحقيق المقاطعة لأهدافها في السياق الذي تدرسه؟ وكأنها تطرح علينا السؤال ذاته اليوم.
وتتناول الورقة العلمية الثالثة التي قدمتها الأستاذة الباحثة حفيظة بن دحمان الاختراق الثقافي للمسلمين، وعنونتها: التعليم الأجنبي بسنجق القدس سنة 1899 دراسة في التغلغل الغربي ورد الفعل العثماني، وأبرزت الضغوط الغربية على الدولة العثمانية -مستغلة مشكلاتها الداخلية وضعفها أمام القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ داخلها- على ضرورة القيام بإصلاح عميق في تنظيماتها، ومنح حقوق كبيرة للجاليات الأجنبية ثم لمعتنقي الديانتين المسيحية واليهودية بما يجعلهم تحت حماية الدول الاستعمارية، ويقيد صلاحيات الدولة في الإدارة وتنظيم شؤون المجتمع والاقتصاد، وهذا ما مهّد الأمر للوصول إلى تفتيت السلطنة وتقسيم أراضيها ومنح فلسطين للصهاينة.
وركزت الباحثة في ورقتها على نظام المدارس الذي أنشأته الدول الاستعمارية في سنجق القدس، وما منح لها من الامتيازات، وقد بينت الخصوصية التي تم التعامل بها مع اليهود الذين استفادوا أكثر من غيرهم من هذه المنظومة التعليمية بالرغم من قلة عددهم مقارنة بالأقليات والجاليات الأخرى، وكأننا أمام صورة مشهد يهيئ الظروف لتشكيل نخبة مثقفة تقودها بريطانيا إلى مركز السيادة والنفوذ قبل السيطرة والاحتلال، وقد كشف المنهج الكمي الذي اعتمدته الباحثة في المقارنة بين حضور تلاميذ مختلف الطوائف الوظيفة السياسية لهذه المدارس التي مثَّلت اختراقا في عمق المجتمع العثماني، وضمان الولاء للقوى الغربية تمهيدا لفصل المنطقة عن الخلافة ثم بترها عن العالم العربي والإسلامي.
في الورقة الرابعة التي كتبها الأستاذ الباحث نذير برّزاق استحضر الكاتب الجهود الجزائرية في دعم القضية الفلسطينية من خلال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وحملت ورقته عنوان: نضال رجال الإصلاح الجزائريين لنصرة القضية الفلسطينية: الشيخ الفضيل الورثلاني (1906-1959م) أنموذجا، إذ تتبع كتاباته وأنشطته في تشخيص المشروع الصهيوني وتعرية أهدافه الخطيرة على المنطقة، قبل قيام دولة الكيان وبعدها، وأبرز جهوده في شحن الهمم في الدعوة إلى دعم كل الأعمال الرامية إلى تفعيل مقاومة الكيان وداعميه بكل الوسائل الممكنة للدول والأفراد.
تقدِّم هذه الورقة من خلال كتابات وجهود الشيخ الفضيل الورتيلاني وحدة الجهود ضد الاستعمار في هذه المرحلة من التاريخ، ولم تمنع الظروف التي كانت تعيشها الجزائر أن تهتم نخبها بقضية فلسطين وفي جوهرها القدس الشريف، وقد كان توجُّه الشيخ الورتلاني أن يجتمع جهاد الكتابة والمال والنفس، وأن لا يتوقف الإعداد لمواجهة دولة الكيان، وكتب في الرد على الذين اتهموه بعدم الواقعية: “قد يقول بعض القراء العاجزين الانهزاميين أنني في هذه المطالب شاعرٌ فيلسوف، فلا يهمني قولهم لأنني لست إلى قِصار النظر أكتب”.
لم تمنع الظروف التي كانت تعيشها الجزائر أن تهتم نخبها بقضية فلسطين وفي جوهرها القدس الشريف، وقد كان توجُّه الشيخ الورتلاني أن يجتمع جهاد الكتابة والمال والنفس، وأن لا يتوقف الإعداد لمواجهة دولة الكيان، وكتب في الرد على الذين اتهموه بعدم الواقعية: “قد يقول بعض القراء العاجزين الانهزاميين أنني في هذه المطالب شاعرٌ فيلسوف، فلا يهمني قولهم لأنني لست إلى قِصار النظر أكتب”.
الورقة العلمية الخامسة التي كتبها الأستاذ الباحث حسين بوبيدي بعنوان: الاستعمار الصهيوني الاستيطاني لفلسطين: الصراع على المفاهيم والتوصيفات، تنتمي إلى تحليل ساحة الصراع الفكري في مواجهة الكيان الصهيوني، إذ قدّم قراءة تستحضر طريقة اشتغال هذا النوع من المشاريع الاستعمارية وفق ثنائية: الإحلال والإبدال، أي العمل على تهجير أهل البلد واستبدالهم بشعب دخيل تقام له سرديات لترسيخ وجوده ومحاولة تحويله إلى شعب أصلي يدافع عن وجوده وينكر حق أهل الأرض، إذ تُقرأ كل الأعمال الحربية وجهود التعيير الديموغرافي والتشريعات القانونية والطمس الهوياتي باعتبارها أدوات ضمن عملية طويلة المدى تودُّ بلوغ حالة اجتماعية جديدة تُقطع مع التاريخ الأصلي للمنطقة المستعمَرة.
في هذا السياق تستحضر الورقة النقاش التاريخي بين الباحثين المختصين في هذا الموضوع، مثل باثريك وولف ولورنزو فيراتشيني وإيف تاك ومحمود ممداني ووليام غلوا وغيرهم، ثم انخراط الباحثين العرب في هذه الدراسات، وبيان بعض التصورات الخطيرة التي تحاول المقارنة بين مصير الفلسطينيين من جهة، والسكان الأصليين لأمريكا وأستراليا وزيلندا الجديدة باعتبارها مقارنات تهيِّئ النفسية الفلسطينية لتقبُّل تصفية القضية وترسيخ مشروع الكيان، ولذلك دافع الباحث عن مسلك التحرر من الاستعمار الاستيطاني الذي تمثِّله التجربة الثورية الجزائرية، وتابع التحولات التي طرأت على الخطاب التحرري الفلسطيني، وضرر الانتقال من تكييف الصراع ضد الاستعمار الاستيطاني إلى صراع بين قوميتين يتحمل حل الدولتين، وهو التوصيف الذي أضر بمسار التحرر وانتهى إلى تحويل سلطة الحكم الذاتي إلى مجرد أداة ضبط وسيطرة.
إنّ هذا الجهد الجماعي لا يدّعي الإحاطة بجميع أبعاد القضية؛ إنما يسعى إلى تأكيد أن المعركة لا تُخاض على الأرض فحسب، بل تدور أيضًا على مستوى المعنى، والتاريخ، والذاكرة، والوعي، وهي مساحاتٌ ينبغي أن لا يخسرها المناصرون للحق، لأن ضمان النصر يكمن في استمرار اليقين بعدالة القضية، وثبات الإيمان بها مهما طال أمد المعركة.