“كذلك كنتم من قبل”
بعض الإخوة من “علماء القهاوي”، و”المنفّرين” من دين الله، والمقنطين من رحمته يشدّدون على الناس، ويضيقون عليهم رحمة الله الواسعة التي كتبها – تفضلا منه – على نفسه، حيث قال -عز وجل-: “كتب ربكم على نفسه الرحمة”، ومن رحمته أنه – كما جاء على لسان رسوله – عليه الصلاة والسلام – أنه لم ينزل من رحمته ذات المئة رحمة إلا رحمة واحدة هي التي يتراحم بها جميع الكائنات عاقلة وغير عاقلة، هدانا الله إلى فقه دينه القويم، ورزقنا التبشير به، لا التنفير منه، والتيسير له لا التعسير.
كنت يوما مع فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في فندق الجزائر، وجاءته امرأة شاحبة الوجه، ذابلة العينين، وقالت له إنها ارتكبت ذنوبا، وأتت شيئا فريا، ولكنها تابت وأنابت، واستغفرت لذنبها، وهي ترجو رحمة الله، ولكن بعض “الشيوخ” أعانوا الشيطان عليها، وأيأسوها من رحمة الله التي وسعت كل شيء.. فضاقت عليها الأرض بما رحبت.
استعظم الدكتور فعلتها، وأظهر لها كبر جرمها، ولكنه بشّرها برحمة الله، وتوبته عمن تاب توبة نصوحا، وأشاع الأمل في صدرها، ثم ختم كلامه بقوله: “قولي لمن أغلق أبواب رحمة الله في وجهك: “ّكذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم”، وأنكم لستم ملائكة مبرّإين من كل ذنب، ولو كنتم فقهاء في دين الله لعلمتم أن رسول الرحمة – عليه الصلاة والسلام – قال: “لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم”، بل إن الله -عز وجل- تكرم على المذنبين المستغفرين بأنه يبدّل سيئاتهم حسنات، ولا يسأل عما يفعل..
وفي يوم 4/12/2025، زرت – رفقة فضيلة الإمام الجيلالي ابن هنّور- أستاذي الصالح آيت صديق، الذي مد الله في عمره حتى بلغ القرن، زرناه اطمئنانا على صحته، واستئناسا لحديثه، واستفادة من تجاربه، واستنصاحا بنصائحه.. ومما قال لنا إن امرأة من إحدى المناطق البعيدة عن مدينة الجزائر زارته رفقة أحد محارمها، فبكت واستبكت، واعترفت بذنبها – وهو كبير- وأنها ندمت على فعلتها التي فعلت، وأرادت أن تطمئن فذهبت إلى “إمام” قريب من سكناها، وقصّت عليه قصتها.. وقبل أن تكمل كلامها أسودّ وجهه، وقطب جبينه، وانهال عليها تقريعا وتأنيبا، وكاد يدعها إلى جهنم دعا.. فخرجت من عنده وهي تتخيل أنها بعيدة عن رحمة الله، وأنها قاب قوسين أو أدنى من سقر.. وكاد يستخفّها “إمام” الفاسدين والمفسدين، والقانطين والمقنّطين.. فتعود سيرتها الأولى، وتكون من أتباعه وجنوده.
ثم استنصحت بعض معارفها فنصحها بالذهاب إلى فضيلة الشيخ محمد الصالح الصديق فجاءته على استحياء، وقصّت عليه قصتها وهي تكاد تغرق في عرقها..
تبسّم فضيلة الشيخ في وجهها، وأشاع الأمل في صدرها، وبشّرها ولم ينفرها، وأنها في رحمة الرحمن الرحيم ما لم تشرك به.. فخرجت بوجه غير الوجه الذي جاءت به، ولم ينصرم إلا أسبوع عن هذا اللقاء حتى رجعت نفسها إلى ربها راضية مرضية.. رحمها الله، وغفر لها ولجميع المؤمنين كما غفر لرسوله الأمين.