كرنفالٌ كلامي لتمرير التدريس بالعامية
خرجت علينا بعض الدوائر الرسمية مؤخراً بخرجات لا نجد توصيفا لها، خاصة وهي تتعلق بمستقبل الوطن ومستقبل أبنائه وبناته، في مجال حيوي استراتيجي وأعني هنا: التربية والتعليم.
في ندوة عُقدت للنظر في معطيات التربية والتعليم، وإصلاح شؤون المدرسة وخاصة إصلاح أعطابها الكثيرة المزمنة، والاجتهاد للعمل على تجاوز الواقع المتردّي في هذا الشأن الوطني المهمّ والكبير، فإذا بـ“ثمرات” الإصلاح الجديد ومدارسة مشكلات المؤسسة التربوية تنتهي إلى:
أـ إبعاد التاريخ من الامتحان المصيري البكالوريا.
بـ ـ إبعاد واقصاء الجغرافيا.. تأمل الجغرافيا ـ والتاريخ ـ معا… ونحن نعلم جميعا أن عدم الامتحان فيها في شهادة كالبكالوريا مدعاة إلى إهمالها تماما. وربما ذلك هو مقصود الخبراء الذين خطّطوا للأمر.
ج ـ إعادة النظر في لغة التعليم نفسه والذهاب إلى التدريس بـ“العامية“. ما شاء الله على هذا الإبداع والاختراع؛ فضلا عن أمور أخرى ستُعلم بعد حين بلا شك.
والحق نقول:
كنّا ننتظر، ربما لسذاجتنا وثقتنا في المسؤولين، أن تتصدى هذه الندوة التي قيل إنها جمعت خبرات وكفاءات وطنية ومن خارج الوطن.. ننتظر أن تتصدّى وتدرس مشكلات عديدة كالاكتظاظ الذي يدمر المواهب ويؤثر في المردود العلمي والتربوي، ومشكلة ضعف استيعاب التلاميذ للدروس، وتفاقم الدروس الخصوصية، وكثرة الإضرابات في قطاع التعليم، ونقص الأداء التربوي لآلاف الأساتذة الملتحقين بالتعليم حديثاً، ومشكلة الخدمات الاجتماعية التي عمّرت طويلا، ومثلت “منطقة فساد” كبيرة في جسم النظام التربوي الجزائري، ومشكلة طرائق التدريس وأساليبه التي بلغت فيها أمم أخرى أعلى المراتب، وبقينا نحن نراوح مكاننا ونعمل بمنطق “البريكولاج” لا غير، ومشكلات الغش وما يتعلق بها، وتفاقم آفات المخدرات والانحراف والاختلالات العاطفية وغيرها من المكونات التي تهدد بخطر كبير نظامنا التربوي ونظامنا الاجتماعي.
… وغير هذا كثير من المعضلات التي تحتاج كلها إلى المناقشة والمدارسة، بحسب ما يقتضيه الوقت: أسبوع، شهر.. المهم هو الوصول إلى حلول ولو أولية لبعض منها.. بجدّية واقتدار، والعمل على طيّ هذا الملفّ للانتقال إلى غيره من الملفات الكثيرة المفتوحة منذ زمن، التي تنتظر بدورها الاهتمام والمدارسة الجادة، وإيجاد الحلول الجذرية والحقيقية، ومنها خاصة قطاع التعليم العالي الذي يعاني بدوره من إشكالات متعددة مركّبة، تستحق الاهتمام والاشتغال عليها، بغرض وضع حد لتردّ يتسع عاما بعد عام، وبالأخص فيما يتعلق بالتكوين والتحصيل الجاد، ورفع المستوى المعرفي والعلمي والمنهجي لعشرات الآلاف من الطلبة والطالبات… فماذا حدث؟
ماذا حدث حتى تتحول الندوة إلى “كرنفال كلامي” نظري عامّ، لم يلامس أدنى المشكلات، وإنما مرّ مرورا عابرا عليها، ثم انتهى إلى توصيات خرج منها بعض ما اتصل بالتدريس بالعامية أو “اللغة الأم” كما قال أحد “خبراء” التربية عندنا؟
كان هناك الكثير من الكلام، ولكن لم يكن الكثير من النفع، بل كثير من الارتجال والتسرّع والاندفاع، حتى ليُخيّل إلى المتأمل أن المسألة كلها كانت ترتيبا للإعلان عن تلك التوصيات ودفع النظام التعليمي إلى “قعر” لن يخرج منه المجتمع الجزائري، بعد سنين إلا رميما ورمادا، لا لغة عربية ولا فرنسية ولا تكوين ولا تربية ولا علم ولا ثقافة ولا مستوى ولا ما يستحق الذكر.
هل يمكن بعد هذا الثقة فيمن وُضعت فيهم الثقة؟
إننا نقولها من باب النصح: ما هكذا تورد الإبل يا سعد.. ما هكذا يكون علاج المشكلات الحقيقية البارزة التي تنخر جسم نظامنا العلمي والتربوي والتعليمي والفكري.. ما هكذا يكون علاج القضايا الوطنية الكبرى.
ما هكذا يكون الاقتراح للخروج من عشرات المشكلات التي نخرت قطاع التربية ولا تزال.
ما هكذا يفعل من يريدون الخير لأجيالنا ومسقبلهم…
ليس قَدرا ما نحن عليه في مجموع أوضاعنا المترديّة وأدائنا التعيس، وإنما هو نتيجة من نتائج التدبير المنقوص والرؤية غير الواضحة والارتجال والتسيير بالرداءة، ومجموع ما عرف في شأننا العام من تعصّب للرأي وفرض للحلول وهروب إلى الأمام. لذلك بإمكاننا أن نحقق الأفضل والأحسن.. في وقت قصير.
هوامش:
* كان هناك كثيرٌ من الارتجال والتسرّع والاندفاع، حتى ليُخيّل إلى المتأمل أن المسألة كلها كانت ترتيبا للإعلان عن تلك التوصيات ودفع النظام التعليمي إلى “قعر” لن يخرج منه المجتمع الجزائري، بعد سنين إلا رميما ورمادا، لا لغة عربية ولا فرنسية ولا تكوين ولا تربية ولا علم ولا ثقافة ولا مستوى.