كرنفال كأس العالم
في مباراة كرة طويلة على غير العادة، وخليط بين الفن والسياسة وطبعا “البزنس”، ودّع العالم منافسة كأس العالم 2026 التي ستطوي قرنها الأول قريبا، وبالتحديد في النسخة القادمة 2030.
وحتى رئيس الدولة المضيِّفة والمنظِّمة للمنافسة السيد دونالد ترامب، الذي حضر المباراة قبل بدايتها على الساعة الثامنة مساء بتوقيت الجزائر، وغادر نحو منتصف الليل، كان واضحا جدا أنه لم يحضر لمشاهدة ميسي ولا رودري وفن اللعبة وهندستها التكتيكية، وإنما ربما لمشاهدة العرض الموسيقي للفنانة مادونا وأخواتها وربما للاطمئنان على الصفقات التجارية المبرمة على هامش الكأس العالمية، التي صارت مبارياتها طويلة جدا، ولا تعني الكرة والرياضة فقط.
لقد كان مستوى مباراة الدور النهائي من كأس العالم، من الناحية الفنية والتكتيكية متواضعا، وحتى الأمة الإسبانية التي فرحت بالتتويج، لاحظت أن المباراة لُعبت في ظروف مغايرة، لم تشبه الظروف التي من العادة أن تُجرى فيها، حتى إن الأجواء كانت توحي بأننا في كرنفال، فيه الأذواق والألوان والصخب الذي يُذهِب التركيز.
لحسن الحظ، أن منافسة كأس العالم هي رحلة في كل القارات من دون توقف، وأن التواجد في أمريكا حيث لا لغة تعلو على المال ومهرجاناته، وإلَّا لأمكن وصفُ المباراة النهائية وغيرها من مباريات المنافسة بكل الأوصاف دون لعبة كرة القدم، ولأمكن وصف المنافسة أيضا بمختلف الأوصاف دون ربطها بكأس العالم، المنافسة الرياضية التي عشقها ملايير البشر في العالم، وكانوا يعدّون أيام وليالي أربع سنوات، ليعيشوا متعتها وتشويقها.
أحب الناسُ لعبة كرة القدم على بساطتها، بل كانت الأمم الضعيفة هي من تفوز بألقابها وتشارك بقية الأمم الكبرى في لعبها والفوز بألقابها، ففازت بلاد أورغواي وكانت ومازالت من البلاد الفقيرة، وتوِّج البرازيلي بيلي أسود البشرة وهو مراهق في السابعة عشرة من العمر، بالتاج في قلب عاصمة بياض البشرة السويد، وشاركت في منافسة كأس العلم في بداياتها، بلادٌ كثيرة في العالم، مثل كوبا وكوريا الشمالية، ولم نسمع عن تدخُّلات سياسية أو التدخُّل في قوانين اللعبة، لأجل تمرير لوحات إشهارية كادت أن تأكل من دقائق المباريات التهامًا.
وحتى عندما اندلعت في سنة 1969 حربٌ بسبب مباراة كرة بين هندوراس وسلفادور، وسقط فيها المئات من القتلى، تدخَّل لاعبو الكرة لفض النزاع وهدّد حينها اتحاد الكرة بإلغاء كأس العالم في المكسيك في عزِّ عطاء اللاعب بيلي، إن لم تضع الحرب الهندراسية السلفادورية أوزارها.
أشعرنا رئيس الاتحاد العالمي لكرة القدم في المباراة النهائية لكأس العالم، وكأنّ حضور الرئيس الأمريكي الحدث النهائي، هو هدية من المضيِّف لضيوفه، وتنازل من قمة البيت الأبيض للنزول إلى حضيض ملاعب الكرة، وهو ما أبعد الكرة عن بساطتها إذ كان دائما نجومها هم لاعبو الكرة بين الملك بيلي والقيصر بيكنباور والزعيم مارادونا، قبل أن يأخذ كل الألقاب والتيجان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.