“كش ملك” ممنوع على رقعة الشام
بعد خمس سنوات من الحرب “الأهليةّ” المدمِّرة في الشام، وإبادة أكثر من ثلث مليون سوري، وتهجير قرابة 12 مليوناً من بيوتهم، وتدمير ثلاثة أرباع حواضر الشام، برز أخيرا للعيان اللاعبان الأصليان بدماء السوريين في لعبة شطرنج كبرى، غامضة، مركّبة، ليست سورية فيها سوى الرقعة، ولم يكن النظام السوري فيها وحلفاؤه أو خصومه من الإقليم سوى بيادق، وأفضلهم لم يكن ـ في عين قوى الاستكبار من الشرق والغرب ـ أكثر من أحصنة أو فيلة يضحى بها في مناورات تكتيكية، قبل أن تتحرك الملكتان لتنظيف الرقعة، والتمكين لإتمام لعبة يراد لها أن تنتهي بإعلان التعادل (البات).
في أقلّ من عامين، تحوّلت الإدارة الأمريكية من التهديد بشن حملةٍ صاروخية حتى ترحيل بشار بوصفه جزءا من المشكلة، إلى توافق معلن مع الغريم الروسي في ضرب جميع معاقل المعارضة، وقد صارت جميعها “دواعش”، وقد توافقا ضمنيا على إقصاء ولجم بقية اللاعبين الإقليميين من الطرفين، والقول بالحاجة إلى بقاء الأسد وقد صار بعد حين جزءا من الحل.
جميع اللقاءات الدبلوماسية والأمنية التي جرت منذ صيف العام الماضي وحتى لقاء جينيف واتفاق ميونيخ الأخير كانت تمهّد لهذا الإخراج الهوليودي، وليست التهديدات التركية والسعودية بالتدخل المباشر في الوقت بدل الضائع سوى شطحات ديكة تشعر أنها قد ذُبحت من الخلف قربانا للتوافق الأمريكي الروسي بتطهير سورية من المقاتلين، بعد أن أنجزوا بمعيَّة النظام مهمة تحويل الشام إلى أطلال قابلة في وقت قريب لتنفيذ الحلم التلمودي الصهيوني بالتمدُّد حتى نهر الفرات شرقا والنيل غربا.
تقسيمُ الأدوار بين أمريكا وروسيا كان واضحا للعيان بعد تقسيم أجواء سورية إلى سمائين: الأولى من نصيب أمريكا يستهدف تنظيم “الدولة” في سورية، والثانية تركت للروس لسحق بقية الفصائل السورية بالجملة، ولم يترك من خيار للقوى الإقليمية سوى “فرصة” الانخراط المباح في المعارك البرية القادمة ضد تنظيم “الدولة” في سورية فقط، لأن التوافق الروسي الأمريكي المدعوم في الخلف من “الأرخبيل الصهيوني” العالمي لا يشمل حتى الساعة تنظيم “الدولة” في العراق، المؤجل لما بعد ترويض بلاد الشام.
بيتُ القصيد في لعبة الشطرنج الخفية بين أوباما وبوتن له “صدر” و”عُجُز”، صدره: تحويل الشام إلى منطقة فراغ عازلة حامية للكيان الصهيوني، تحتاج إلى عقدٍ من الزمن أو أكثر قبل توفر فرصة إعادة إعمارها إن سُمح بإعمارها أو بعودة الملايين من المهجرين إليها، وعُجُزه: توجيه ضربة قاصمة لفكرة “الجهاد” أو المقاومة تحت أي راية اسلامية: “صفراء” “خضراء” أو “سوداء”… في قلب العالم الإسلامي أو في أطرافه، وهو الهدف المشترك المعلن بوضوح بين أمريكا وروسيا وحلفائهم.
نقطة واحدة ربما تكون قد غابت عن اللاعبين، وهي أن لعبة الشطرنج في السياسة تختلف عن اللعبة الهندية على اللوح الخشبي، لأن البيادق والأحصنة والفيلة المستهلَكة في المراحل التكتيكية لا تنفق بمجرد إخراجها، بل ربما تجد حرّية أكبر في اللعب على لوح أوسع، حيث لا يتوقعها أشطر اللاعبين في لعبة الأمم القذرة، خاصة مع عالم إسلامي لم يترك لدوله وشعوبه وشبابه خياراً آخر سوى تخريب اللعبة ولو بتدمير الذات.