كفن وتراب
ما قاله السيد عبد الحميد براهيمي، البالغ من العمر ثمانين سنة، بعد عودته إلى الجزائر، بعد منفاه الاختياري أو الإجباري أو لنقولها صراحة “هروبه”، إلى خارج الوطن، وأكيد بأموال الوطن، من أنه عاد لأجل أن يموت في الجزائر، هو دليل آخر على أن هاته البلاد التي أنجبت وكبّرت الآلاف من “الديناصورات”، ليست أكثر من قبر كبير بالنسبة للذين حلبوها، والذين لا تمثل لهم سوى المهد واللحد، أما ما بينهما فهو لشؤون أخرى ولبلدان أخرى.
الرجل الذي كان رئيسا للحكومة، في زمن الشاذلي بن جديد، عندما صدر في الجريدة الرسمية قرار يمنع أصحاب الجنسيات الأجنبية تقلّد المناصب المهمة، عاد بجنسية بريطانية، لم يكن في حاجة إليها ليعيش في لندن، فقد قال هو نفسه مرّة في أكتوبر 1986، بأن الأوكسجين والماء والخبز الجزائري بإمكانه أن يصنع الحياة، بينما أخفى في صدره “المال وجواز السفر الأوروبي”، ليصنع به حياته الخاصة، بدليل أن الرجل تنفس خيرات الاستقلال، ومنذ أن اندلعت أحداث أكتوبر 1988 طار إلى لندن تاركا البلاد تحترق، وأكثر من ذلك رمى قنبلته اليدوية المتمثلة في قضية الخمسة وعشرين مليار دولار التي سُرقت في عهده، عندما قاد الحكومة لمدة خمس سنوات كاملة، ومن باريس إلى لندن مكث قرابة الثلاثين سنة، يُنظّر لشأن جزائري هو من بُناته، ويحكم على هذا أو ذاك، وأكثرهم هم من وضعوه على رأس السلطة في الجزائر.
مشكلة الجزائر تكمن في أن غالبية الذين يزعمون حبّها يمارسون “طقوسهم” من خارج البلاد، من الدوحة وجنيف وباريس وواشنطن ولندن، ولا أحد تجرّأ على أن يخوض المعركة في قلب الجزائر، التي عانت من كل ويلات “العذاب البشري” في السنوات الأخيرة، فهم يخطبون ويكتبون ولا يعيشون فيها حتى يعرفوا التشخيص الحقيقي لحالتها المرضية، ولا يخوضون أي معركة حقيقية ضد الفساد الذي تمكن منها، وعندما يبلغون من العمر ما بعد الثمانين، يعودون، إما رجالا منتهية صلاحيتهم أو جثثا لتدس في التراب، والقائمة طويلة جدا ولا يبدو أن لها نهاية.
طوفان البوح المزعوم الذي جرف الصحف والقنوات الجزائرية الخاصة في الأشهر الأخيرة، لم يُنر أيّ درب مظلم في تاريخ الجزائر الحديث، وكل قادم أو متحدث أو كاتب، إنما يزيد هذه الظُلمة حلكة وعتمة وسوادا.
وكما كتب السيد أحمد بن بلة كثيرا، ولم يكتب شيئا، وكما قال خالد نزار كثيرا ولم يقل سوى الزور، واضح بأن هذا الذي أنهكته السنون بعد منفى في عواصم، يحلم الجزائريون بمشاهدتها على التلفزيون مثل باريس ولندن، لن يمنحنا من حقيقة الخمسة وعشرين مليار دولار، التي تبخرت في ثمانينات القرن الماضي، حيث كان المليار دولار هو ثروة قومية لأي بلد، لن يمنحنا أي شيء، وسيأخذ كغيره من الوطن.. بعد السلطة والمال.. كفنا وترابا.