-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الشروق اليومي تزور بيت وليد الذي مشى بعد نصف قرن من الشلل:

“كلما سمعت كلاما محبطا من الأطباء ازددت إصرارا على الشفاء”

س. ر
  • 1405
  • 0
“كلما سمعت كلاما محبطا من الأطباء ازددت إصرارا على الشفاء”

قررت عائلة وليد بلفوناس، البالغ من العمر خمسين سنة، مرت جميعها بعواصف الألم، أن تحوّل الثاني من شهر أكتوبر 2025 إلى عيد ميلاد جديد لابنهم وليد، الذي فجّر واحدة من معجزات عالم الطب والحياة، باستعادته لحركته، لوقوفه ولمشيته، بعد أن حكم عليه عشرات الأطباء في الجزائر وفرنسا بالشلل مدى الحياة.

الشروق اليومي زارت وليد يوم الإثنين، فوجدته في مقهى حي فيلالي بقسنطينة، مع شلة من أصدقائه يسترجع بعضا من ذكريات العذاب التي عاشت معه قرابة خمسين سنة، وكثيرا من الأمنيات التي فجرها شفاؤه الأسطوري، من شلل وصرع، عذبه وعذب عائلته وخاصة والديه الذين فارقا الحياة في السنوات القليلة الماضية من دون أن يشهدا ما عاشا لأجله.

القرآن صديق وليد الدائم

أبصر وليد النور سنة 1975 في ظروف صحية عادية كآخر عنقود ثمانية من الإخوة والأخوات. كان عمر وليد سنتان عندما أصيب بأزمة التهاب السحايا المعقد أو حمى المخ كما يسميها البعض وكلما حاولت والدته ووالده التقدم إلى مختلف الهيئات والمؤسسات الصحية، بحثا عن إنقاذ الطفل الصغير من جحيم الشلل، أغلقت كل الأبواب الطبية في وجهه، إلى أن اقتنعوا جميعا بأن وليد قدره أن يبقى حبيس كرسي متحرك في أحسن الأحوال، بل إن هناك من الأطباء من استشرف وفاته بتعقيدات حالته، خاصة بعد أن عصف الصرع بحالته الصحية وبلغ شلل أطرافه مداه. وفقد أكثر المتفائلين الأمل، ومن يوم إلى آخر، ومن شهر إلى آخر، ومن سنة إلى أخرى، مرت 48 سنة عن يوم شلله وصار الأمل في الشفاء مجرد سراب.

“أطباء فرنسا حكموا عليه بالشلل إلى آخر العمر.. لكنه تحداهم”

يقول وليد للشروق اليومي: “صدقوني لم أفقد الأمل أبدا، كلما سدّ الأطباء بتشخيصهم لحالتي والجزم بانني لم أمش ولن أقف مدى الحياة، كلما تمسكت بالأمل، ورفيقي الدائم كتاب الله والصلاة والإحسان للناس”.

رفض وليد بعد أن بلغ العاشرة من العمر، المكوث في البيت، فهو يقطن الطابق الثاني من عمارة بحي فيلالي في وسط مدينة قسنطينة غير بعيد عن جامع الأمير عبد القادر، ورفض الاستسلام للمرض، فصار صديق غالبية أطفال حي فيلالي، يساعدوه بحمله وإخراجه من البيت إلى الشارع ثم إرجاعه، فكان يجلس معهم في المقهى ويسافر معهم إلى الشواطئ ويذهب معهم إلى الملعب لمشاهدة مباريات النادي الرياضي القسنطيني والمنتخب الوطني في مبارياته في قسنطينة على قلتها.

ما آلم وليد في حكاية استرجاعه للحركة والمشي، أن والدته التي تعذبت معه وبكت كثيرا لبكائه، وكانت متمسكة بأمل الشفاء، فارقت الحياة في سنة 2019 ولم تشهد فرحة استرجاع ابنها لصحته، ولقدرته على المشي وصعود السلالم، وحتى والده وهو مجاهد معروف، توفي في السنة الماضية فقط 2024 ولم يحقق حلم حياته في مشاهدة خطوات ابنه التي عاش لأجلها ومات قبل أن تتحقق بسنة واحدة.

وبينما كان وليد يروي حكايته الغريبة، تدخل صاحب مقهى الحي التي قضى فيها وليد بعضا من شبابه وكهولته مع صاحب المقهى السيد لمين بوشلوب وروى لنا طرفة حدثت له مع وليد وأبناء الحي في سنة 2003، عندما تنقلوا إلى ملعب الشهيد حملاوي، لمتابعة مباراة ناديهم المفضل شباب قسنطينة أمام الجار مولودية قسنطينة في داربي عاصمة الشرق الجزائري، وعندما خسر فريقهم وفريق وليد المفضل، غادروا في منتهى الغضب، وتركوا وليد وحده على كرسيه المتحرك في مدرجات الملعب ليلا، تحت طوفان مطري غزير.

يضحك وليد ويقول: “صراحة أصدقائي لم يتركوني، صار شللي قدرا عليهم هم أيضا، يحملونني يوميا من البيت إلى الشارع ومن الشارع إلى البيت، أيام الجمعة يصحبوني إلى جامع الأمير عبد القادر أو جامع زينب في نفس الحي، عشت معهم أحلى أيام العمر، كانوا يمشون وأعجز عن الوقوف ولكني سعيد معهم”. ويتدخل صديقه صابر شريط ليبصم إنسانيا وأخلاقيا: “ذاك واجبنا يا وليد”.

ببغاء وقط ومجموعة من الأشجار

في السنوات الأخيرة، حتى جرعة الأمل التي عاش لأجلها بخرها الأطباء نهائيا، فقرر أن يعيش لفعل الخير، يتصدق على الفقراء، يحتفظ بجزء من غذائه أو عشائه ليتصدق به، ولا يترك دينارا واحدا في جيبه.

قرر وليد تربية قط وببغاء صار رفيقهما الدائم. وهنا يتدخل السيد طارق باربار رئيس جمعية أوسكار للثقافة والإبداع ليخبرنا بأن الأشجار التي كنا نجالس تحتها وليد، هي من غراسته، فقد كان يجرّ كرسيه المتحرك جرا، ويحمل فأسا يقلب بها الأرض ويدس الشجيرات في التراب، إلى أن صنع حديقة صغيرة من الأشجار اليانعة، كبرت مع ألمه وستكبر الآن أكثر مع أمله.

ويصر طارق على أن سر محبة الناس لوليد طيبته وشهامته وصبره، وإرادته الحديدية، ويعود وليد ليقول: “في السنة الأخيرة بمجرد أن أفتح عيني، حتى أدعو ربي أن يشفين وأن يرحم أمي وأبي، كان يغمرني إحساس بأن المعجزة ممكنة، كتمتها في قلبي، ولم أبح بها لأحد، بالرغم من أنني صرت أحس برعشة تعذبني وتحرمني لأيام من الخروج إلى الشارع”.

بكثير من الشوق يقول وليد للشروق اليومي: “حلمي الأول أن أزور البقاع المقدسة،رفقة شقيقتي الطبيبة التي ساعدتني كثيرا، وأن أحصل على سكن اجتماعي أكمل فيه نصفي الثاني”.

وليد هو أصغر إخوته الثمانية، أربعة من الذكور وأربع إناث، جميعهرفقةأهل الحي الذي يقطن فيه قرروا إقامة وليمة احتفالا باسترجاع وليد عافيته بعد قرابة نصف قرن من العذاب، ويذكرنا وليد: “رغم الشلل والمرض، إلا أنني قدمت ملفا للحصول على سكن اجتماعي، منذ أكثر من عشر سنوات ولكني لم أتلق أي إجابة”.

لم تزد سنوات دراسة وليد بلفوناس عن أربع سنوات ابتدائي، ومع ذلك تشبث بتعلم اللغة العربية فهي وسيلته الوحيدة لقراءة القرآن الكريم والصلاة بآياته الكريمة.

وليد مازال يعيش أولى أيام معجزة شفائهن لأجل ذلك تسبقه الكلمات حينا ويتيه في الماضي والمستقبل أخرى، ولا تتوقف الزيارات نحوه من كل أنحاء الوطن، خاصة من الذين لهم أبناء أو إخوة أو أزواج أو آباء مقعدين ومشلولين ويريدون معرفة الوصفة التي أوصلت وليد لاستعادة عافيته ولا يجد ما يقول لهم سوى: “الصبر والإيمان بقدرة الله على أن يحقق المعجزات والسعي لأجل الشفاء”.

القصة الكاملة لمعجزة شفاء وليد

بينما كنا نبحث عن طبيب أو طبيبة يشرحون لنا ما حدث لوليد من الناحية الطبية، اكتشفنا أن شقيقته السيدة نجوى بلفوناس طبيبة، تخصصت في تطبيب المواليد الجدد، فكانت الطبية والشقيقة والشاهدة على رحلة مرض ومعجزة شفاء.

الشروق اليومي سألت الدكتورة نجوى إن كان تخصصها مرتبطا بحالة شقيقها الذي أصيب بالشلل وهو رضيع دون الثانية من العمر، فنفت ذلك وقالت: “عندما كنت طالبة طب بكلية قسنطينة، كنت أشاهد معاناة بعض الأطفال، فقررت أن أعيش لأجلهم وطبعا لأجل شقيقي الأصغر وليد”.

قصة وليد كما روتها شقيقته الطبيبة فيها من الصور الاجتماعية والصحية والدراماتيكية ما يصلح ليكون رواية أو فيلم سينمائي في قمة الإثارة كما ترويها للشروق اليومي بتأني.

“أخي الاصغر وليد عندما وُلد ملأ علينا البيت، كانت الفرحة تغمر أبي وأمي رحمة الله عليهما، في شهره العاشر وقف ومشى، فسبق جيله وفرحنا به، لكن في سنته الثانية أصيب بحمى شديدة، ما إن نقله أبي إلى المستشفى حتى كان قد أصيب بالتهاب السحايا المعقد، ولم يجد طبيب المناوبة ما يقوله لوالدي سوى “تبخر الأمل ولا جدوى من العلاج” نعم انتهى كل شيء.

عاد والدي إلى البيت وهو عاجز عن إخبار والدتي، وغرقنا في حزن شديد، ولكنهما رفضا الاستسلام، وتحركا في كل الاتجاهات، ونحو الأطباء بالتحديد تقول الطبيبة نجوى شقيقة وليد، ولكنهما كانا يصطدمان بنفس الإجابة “لا أمل”.

في ذلك الوقت لم تكن هناك تأشيرة ملزمة للسفر إلى أوربا، فطار أبي وأمي إلى فرنسا في عدة مناسبات، ووليد بين أيديهما، ولكن كل أطباء مارسيليا وليون وباريس أكدوا بأن شفاء وليد مستحيل، خاصة أن الالتهاب أصاب جزءا من المخ.. العائلة باعت كل ما يمكن بيعه، شراء لصحة وليد.. ولكن.

حتى محاولة إدخال وليد إلى المدرسة لم توفق وإكماله تعليمه لم تنجح، ففي السنة الرابعة ابتدائي أخرجوه وقالوا لنا أنهم لا يستطيعون أن يتكفلوا يوميا بإنزاله السلالم وحمله للصعود والنزول، فسلمنا أمرنا لله وأعدناه إلى البيت.

وتكمل الطبيبة نجوى حكيها: “ما أذكره هو أن أخي عندما بلغ ست سنوات من عمره، بدأ المواظبة على الصلاة ولم ينقطع أبدا عنها مع صلاة الجمعة والتراويح في الجامع.

في السنة الأخيرة، عندما أقوم الليل للاطمئنان عليه، أراه يضع سماعة في أذنه لينام بمقاطع من الترتيل أو التجويد، جاعلا القرآن رفيق دربه وأمله.

تقول الطبيبة نجوى: “صدقوني القرآن فعلا علاج، لا أجد ما أشرح به معجزة شفاء أخي، سوى القرآن الكريم”.

وبكثير من الحسرة والغبطة أيضا، تقول الدكتورة نجوى: “وفي السنوات الأخيرة تعقد مرضه وصار يصاب بنوبات صرع حادة، صار الأمر معقدا فعلا، نقلته مرة إلى طبيبة أعصاب تدعى الدكتورة كوحيل، منحته بعض الأدوية والكثير من الأمل عندما استشرفت إمكانية شفائه” فتمسك وليد بجرعة الأمل.

أخذت الطبيبة نجوى شقيقها إلى مصحات التدليك وإعادة التأهيل لدى القطاع العام والخاص، ولكنهم جميعا كانوا يقولون: “أنتم تضيعون الوقت لا أحد في العالم عاد للسير بعد شلل دام نصف قرن وصارت أسطوانة “لا أمل”، و”لن يشفى” تتبعنا في كل مكان.

اللحظة التي هزت العائلة

لم يلتفت وليد لإجماع الأطباء والاختصاصيين بأنه لا أمل في الشفاء، فاجتهد بطريقته الخاصة، وصار يقوم بحركات بعضها مجهدة فعلا، وشقيقته تشجعه وفي قرارة نفسها أن أمل الشفاء معدوم.

صارت الدكتورة نجوى كلما تعود إلى البيت تشاهد شقيقها وهو يقوم بحركات بقدميه ويديه، يبذل جهدا فوق طاقته، فيعود إلى ذاكرتها ما قاله كل الاطباء عن حالتهوما درسته هي في معهد الطب، ثم تلتفت إلى إصرار شقيقها، فتجد نفسها بين ألم المرض الذي لا يشفى منه المريض، وبين أمل أن تتحقق المعجزة.

في الثاني من شهر أكتوبر الحالي، عادت الدكتورة نجوى إلى المنزل، وما إن فتحت الباب حتى شاهت شقيقها وليد واقف في وسط البيت، لم تصدق الدكتورة عينيها،أحست بدوار، كان وليد واقفا، وعجزت الدكتورة حتى عن التقدم نحوهوالسؤال، فما بالك بالإجابة، ثم كاد يغمى عليها عندما رأت شقيقها يمد خطوات رشيقة نحوها، منتصب القامة يمشي.

كان صعبا على أخت كبرى عاشت نصف قرن مع شقيقها، وتعلم عجز الطب العالمي أمام هكذا حالات معقدة، فانفجرت بكاء، عندما زفت الخبر لأشقائها وشقيقاتها، أسرعوا ليس للاطمئنان على وليد فقط، وإنما أيضا على شقيقتهم نجوى، فربما غلبت أمنيتها واقعها فصارت تظن شفاء شقيقها الأصغر، ليكتشفوا جميعا بأن شقيقتهم تقول الحقيقة.. فوليد بعد نصف قرن سلّم على الناس وصار يمشي معهم وبينهم.

غادرنا منزل وليد، وأهل الحي يحضرون حفلة كبيرة يعلنون فيها ولادة وليد الجديدة، وشقيقته تحضر أيضا لحفلة ولكن وسط المرضى تزف لهم الصبر والأمل والإيمان بالشفاء. أما وليد فقد دعانا لحفلته في انتظار كما قال حصوله على سكن اجتماعي ليباشر البحث عن شريكة حياته.

حالة وليد وضعناها أمام عدد من الأطباء، خاصة المختصين في علم الاعصاب، حالة معقدة جدا بين التهاب السحايا والصرع، ومدة الشلل التي لم تكن بضعة أشهر أو بضع سنوات، فقد بلغت حوالي نصف قرن، فاعتبروها جميعا معجزة، واعتبروا الحالة تستحق الدراسة العلمية الدقيقة من خبراء علم الأعصاب، فما تحقق هو انتصار صحي ونفسي، يمكن البناء عليه، في هذا الاختصاص المعقد لأن إصابة الجملة العصبية هي أخطر ما يتعرض له الإنسان من أمراض تعجز أمامه كل طرق الاستشفاء، من التهاب السحايا والصرع إلى أمراض الزهايمر والباركينسن، حيث العلاج غير متوفر حاليا، والحالة ميئوس منها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!