كل بدو يصير رئيسا… من يرعى الحمير!!
كل بدو يصير رئيسا… من يرعى الحمير؟؟ هذه الكلمات قال لها لي أحد الأصدقاء أثناء تواجدي في عمان، – مؤخر- بعد جلسات من المناقشة والتحليل للعالم العربي واختلالاته، وفعلا قد ينطبق ذلك جزئيا في الجزائر، بحكم أن العديد من إطاراتنا، شبابنا، بدلا ما يبحث عن الكسب الحلال والعافية… وذلك بقطف العنب أو الزيتون… يفضل أن يصبح مديرا على طول دون اتباع سنن الحياة من تدرج وانتقائية وتسلسل في العمل المهني…!!
-
-
كما هو معمول به في العديد من الدول المقارنة، ويمكن إرجاع تلك الظاهرة لتفسيرات عديدة… أهمها ـ حسب اعتقادي ـ تشبث العديد من الجزائريين بالمنطق “أميرا ولا راعي الحمير”!! يمكن إرجاع تعشش تلك العقلية بدايةً للاختلال مبدإ تكافؤ الفرض من تبوإ أو الوصول للوظائف… فقد يبدأ الغش والتدليس و”البستو” أو الوساطة من الاختيار إلى الارتقاء… حتى انتهاء المسار المهني… مما يدفع بالكثير إلى انتهاج سياسة الردة النفسية والاستقالة من القيم فيصبح الكل “يدوس” على مبادئه… فتعكس الأمور من الطفيلية بدلا من المهنية… من الجهوية والزبونية، بدلا من الكفاءة والقدرة، فهذه العملية شجعت على انتشار الفكرة سابقة الذكر، والتي هي داخلية وبعيدة عن موروثنا الحضاري والثقافي… ولكن لما القيم تتيه، فحدث ولا حرج… فافتقاد القدوة على مختلف المستويات يؤدي لهذه السلوكيات… وقد تكون لها أثار عرضية من محاولة تكسير الآخر ولو على حساب الصالح العام، فكم من وزير بدلا أن يسخن كرسيه، أصبح يسخن البندير من أجل الإطاحة وإلغاء الآخر…!؟
-
وكم من مدير بدلا أن يشجع الكفاءة والمثابرة…. يكافئ المزمرين والمصفقين ولو على حساب دفتر الشروط ومهامه الوظائفية، فأصبحت “مخلوطة” على مختلف المستويات… ومن الآثار السلبية أن المناعة تنقص، أو تضعف، فيصبح المسئول قابلا “للشراء والبيع” المادي والمعنوي، فالإشكالية في الآثار ليست في القوانين بقدر ما هي في عدم تنفيذها، أو جعل القوانين في حالة نوم إكلينيكي، يموتها متى تشاء ويفرج عنها متى يشاء… فكم من قانون يوحي بضرورة إشهار الممتلكات!؟ وكم من مجالس رقابية لدينا!؟ وكم من لجان شكلت!؟ فهي مجرد أعداد بدون مفعول ولا أثار عملي يذكر… تصديقا ونتاجا طبيعيا لعنوان المقالة، فالمحاسبة وسياسة الشفافية مضادة لهذه المقولة، بل هي مهدمة لها، وعليه الكل يريد الفرار والابتعاد عن سياسة الشفافية.
-
أمام هذه البيئة الملوثة، الأطماع تزداد… ولا ننسى أننا في مرحلة من المراحل قد حطمنا الرقم القياسي من حيث تعداد الوزراء الذي ازداد عن (500) وزير منذ الاستقلال إلى يومنا… وذلك لن يدل على التطبيق العلمي لمبدإ تكافؤ الفرص، بقدر ما يدل على أن التوازنات، الجهوية، والحسابات، واللوبيهات هي التي تفرخ هؤلاء على المدى البعيد..، هذا المنطق يؤدي إلى “التضخيم” في العديد من المناصب، مما يفقدها هبتها، ومفعولها المرجو منها، ومن أهم نتائجها وهوان الاحترام للمنصب لا يكون على أساس أخلاقي… أو امتلاك الفرد للعديد من المواصفات القيادية تؤهله لكسب الاحترام والتقدير بتميّزه، وصفاء سريرته… بقدر ما يكون الاحترام نتاجا للخوف وسياسة العصي الغليظ… وبمجرد ما يزول مفعولها يصبح “المسئول” المظلي… عرضة للتجاذبات والتذبذبات أو للجرح والتعديل… فكم من مسئول في مرحلة من المراحل لما يعطس، أزيد من (32) مليون جزائري يحمده، ولكن بمجرد ما يخرج من السبحة، يصبح مثل شيمة وأكل مفضل للعديد، من أجل تصفية الحسابات…
-
ولذلك نوصي هؤلاء على أن يكونوا رؤوس كلاب… أحسن من أن يكونوا أذيال أسود، بمعنى أنه في حال الوصول السريع… فإن السقوط سيكون حرا… والأكل سيكون على شكل “فاست فود” أو “الوجبات السريعة” ولن يبقى إلا الأعمال والمواقف تذكر… ولذلك لنجرب سبرا لرأي مسئولينا… ونعي النتائج، ومن ثم دوام الحال من المحال… لو بقيت إليك… لما وصلت لك… وفي أسوإ الحالات إن وصلت إليك من خلال سياسة اللف والدوران، لعل خدمة المجتمع والقيم قد يشفع لك… ولكن التجربة عودتنا عكس ذلك… بل يدخل بعقلية اليوم ولا غدا… أو سياسة بعدي سيكون الطوفان، فهذه “العينة” من المسئولين قد ينتهج منطق الأرض المحروقة… بهدم ما تم بناءه… بالإقصاء ما تم استقطابه… وهلم جرا… فهذه التجارب الفذة ليست “بدعة جزائرية” أو خاصّية “محلية” بقدر ما هي ذهنية منتشرة بانتشار العالم العربي من محيطه إلى محيطه… لنعمل جمعيا من أجل الارتقاء ببيئتنا من خلال التطبيق العملي المنافي لهذه المقولة، كل واحد حسب مستواه.
-
وأخيرا، فإن ظاهرة “الحرقة”، التي لم تعد تقتصر على الرجال أو الشباب، ما هو إلا تراكم منطقي لهذه العقليات السلبية وغير المنتجة… ولكن للأسف الشديد هي العملة الرائجة حاليا… فنسأل العفو والعافية…