الرأي

كل شيء يقتل عندنا..

حفيظ دراجي
  • 6467
  • 22

ما حدث الأسبوع الماضي في ملعب خمسة جويلية الأولمبي إثر سقوط ومقتل مناصرين اثنين من عشاق الكرة لا يزال يثير ردود فعل مؤسفة وحزينة على استمرار فقدان أبنائنا بتلك الكيفية، ويطرح التساؤلات حول الأسباب والمتسببين والمسؤولين، ويثير فينا المزيد من الحسرة واليأس على بلد يموت أبناؤه بالآلاف في الملاعب والطرقات وعرض البحار، وعند سقوط الأمطار أو اشتداد الحرارة وبسبب الأمراض المزمنة، ويموتون عند الفرحة وعند الحزن، وعندما يكرهون ويحبون، وينتحرون بسبب الحڤرة ومن شدة اليأس وفقدان الأمل في إيجاد منصب عمل ومسكن في بلد بإمكانه توفير الحياة الكريمة لمئات الملايين من البشر..

ردود الفعل الرسمية والإعلامية على الواقعة أجمعت كلها على التنديد والأسف والحسرة، وتجاوزت الحديث عن المسؤولية المعنوية والمدنية والسياسية لمؤسسات الدولة إثر الوضعية الكارثية لمرافقنا الرياضية التي لم تعد تستجيب للشروط الأمنية ولحاجيات أبنائنا إلى الاستمتاع والفرجة في ظروف حسنة، وحاجتنا إلى مرافق وملاعب جديدة أو إعادة تهيئة تلك الموجودة رغم تكرار المشاهد كل مرة خاصة في العاصمة التي لا تتوفر على ملعب واحد محترم يلعب فيه المنتخب الجزائري ويتوفر على كل الشروط الأمنية والفنية والرياضية رغم قرار الرئيس منذ 2003 ببناء ملعبين كبيرين في براقي والدويرة لم يخرجا إلى النور لحد الأن بعد 10 سنوات من ذلك الوعد، في وقت أنجزت بلدان إفريقية أخرى عشرات الملاعب والمرافق.. 

الإهمال واللامبالاة واهتراء المرافق والتهاون في تحمل المسؤوليات واتخاذ الإجراءات في الوقت الملائم قبل وقوع الكوارث، وعدم احترام القوانين وقواعد السلامة والأمن ستستمر كلها في حصد الأرواح في ملاعب تجاوزها الزمن، وتؤدي أسبوعيا إلى مقتل المئات في حوادث المرور، لتصل رقما قياسيا عالميا بلغ حد 5000 قتيل سنويا، وتساقط الأمطار عندنا يقتل العشرات بسبب الفيضانات وانهيار المنازل واهتراء الطرقات، كما تقتل الحرارة الشديدة أبناءنا وأولياءنا بسبب نقص الإمكانيات في مدننا وقرانا وصحرائنا الشاسعة، وتفتك الأمراض المزمنة بأطفالنا في مقتبل العمر بسبب نقص المرافق والعناية الصحية في الكثير من مناطق الوطن ..أما الهم والغم والياس والحڤرة وفقدان الثقة والأمل فهي العوامل التي تقتل أكثر وتؤدي بأبنائنا إلى الموت بالعشرات في عرض البحار هربا من أوضاع اجتماعية تعيسة، وتؤدي بهم إلى الانتحار من شدة اليأس والألم وفقدان الأمل كل يوم وفي كل مكان، وتقودهم إلى ممارسة العنف في الشوارع والملاعب ومختلف المرافق، فيموتون نتيجة غياب الأمن والطمأنينة وانعدام الفرجة الكروية والظروف الملائمة التي تسمح لهم بمشاهدة مباريات الكرة في أحسن الظروف، إضافة إلى تخلي الأولياء عن مهامهم في التربية، وتخلي المدرسة والمسجد وجمعيات المجتمع المدني عن أدوارها في التوعية والتثقيف والتأطير، وكذا غياب الردع والمتابعة القانونية والقضائية لمختلف الوقائع والأحداث..     

 

واقعة ملعب 5 جويلية أكبر من أن نحصر أسبابها في الإهمال ونقص الصيانة، وأكبر من أن نحمل مسؤوليتها إدارة الملعب أو الوزارة أو حتى المناصرين في حد ذاتهم لأن النفس البشرية صارت رخيصة عندنا بسبب سوء التسيير والتدبير وانعدام المتابعة والصرامة في تطبيق القوانين ومعاقبة المتسببين في مختلف الكوارث التي يذهب ضحيتها أبناؤنا المساكين حتى في أماكن الفرجة والمتعة، وغدا سننسى ونعاود ارتكاب نفس الأخطاء وتحدث نفس الكوارث والمصائب أمام أنظار الجميع ونعود لنتأسف ونستنكر وننشئ لجان تحقيق لن نعرف نتائج تحرياتها مثل سابقاتها!! 

مقالات ذات صلة