“كل طويل خاوي غير النخل والمغراوي”
هذا مثل من أمثال شعبنا العريق في التاريخ، المنجب للكريم من الرجال، والحرائر من النساء، الذي عركته حوادث الزمان فخرج منها أنقى معدنا، وأمتن عودا، وأقوى على الأعداء، وأقربهم هؤلاء المجرمون الفرنسيون ويا ليت بعض أبناء هذا الشعب المجاهد يفرغ لجمع هذه الأمثال الحكيمة أو أكثرها وتوزيعها – بعد شرحها- على الشعب الجزائري من أقصاه إلى أدناه.
هذا المثل -رغم شعبيته- لا يحتاج إلى تعريب، فهو أفصح لسانا وأبلغ بيانا مما نسمعه على ألسنة من يزعمون أنهم “أكثر عروبة” منّا ومع ذلك فلنزد شرحا لهذا المثل ليزداد وضوحا.
يقول المثل: كل طويل من الشجر أو البشر خاوي، (أي فارغ) من المروءة والهمّة والذمة والقيم والمبادئ من البشر، ومن الثمر من الشجر… يستثنى من ذلك “النخل” هذه الشجرة المعجزة التي أنبتها الله -عز وجل- في أجدب الأراضي وأشدها حرارة، ولكنها خلق الله -عز وجل- تنبت أحلى الثمار.. وأما في عالم الأناسي، فيستثنى “المغراوي”، فمن هو هذا المغراوي غير الخاوي؟
إنه أحمد شقرون بن أبي جمعة المغراوي الوهراني (ت 929 هـ/ 1523 م)، وقد عاش في فترة انهيار الوجود الإسلامي في الأندلس (1492م)، وامتداد الموجة الأولى من الحرب الصليبية في التاريخ الحديث، إذ احتلت شواطئ المغرب الإسلامي في شمال إفريقيا.. وكان الإمام المغراوي من الذين عارضوا من أفتوا للمسلمين في الأندلس بالهجرة إلى بلدان المغرب الإسلامي، ودعا -عكس الإمام الونشريسي- صاحب كتاب “المعيار” – إلى تنظيم الجهاد والمرابطة في أرض المسلمين، ولذا سمّى الدكتور عبد الهادي التازي، محقق كتاب “المغراوي.. جامع جوامع الاختصار فيما يعرض بين المعلمين وآباء الصبيان”، سمّى ما دعا إليه الإمام المغراوي “فقه المقاومة” (ص20) هذه الأمثال الشعبية ليست “علوما دقيقة”، وإنما هي تجارب شعوب أو مجموعات بشرية في فترة معينة.. وإلا فهناك أناس في تاريخنا القديم والحديث طوال الأجسام ولكنهم كثيرو الأمجاد، كما أن هناك “قصار” الأجسام ولكن أفعالهم يخجل منها الشيطان..
وقريب من مثلنا الشعبي مثل شعبي آخر، قد يكون من منطقة أخرى، يقول “طويل بلا خصلة”، أي لا يتحلى بأي صفة من صفات المروءة، ومن الأمثال العربية في هذا الباب قولهم، “ترى الفتيان كما النخل وما يدريك ما النخل”، أي أن بعض الناس رزقوا أجساما طوالا يفترض فيهم الهمة العالية، والمروءة السامية، ولكن دخائلهم عكس ذلك..
تذكرت هذا المثل الجزائري وأشباهه وطبعته على بعض الحكام العرب، ومنهم هذا المسمى بشار الأسد الذي كان لطوله يناطح جبل قاسيون المطل على دمشق، ولكنه كان “أفرغ من فؤاد أم موسى”، لدرجة أنه أخفى خطة هروبه حتى على أخيه، ابن أمه وأبيه.. الذي كان يحميه، فيا ضيعة الرجولة و”الأسدية”.. وما أبلغ مثل شعبنا القائل: “الضرب بالطوب ولا الهروب”.