الرأي

كم نحن في حاجة إلى هيئة للتحسين المستمر والجَودة؟

محمد سليم قلالة
  • 2614
  • 7

ستبقى الجزائر تُرَاوح مكانها، تعيش من ريع البترول، وتَنتظر اكتشافات جديدة لمصادر طاقة تبيعها، إذا لم تبحث في إنشاء هيئة مستقلة أو وزارة بكاملها للجودة وللتحسين المستمر تتكفل بتنسيق الجهود في هذه المسألة بين جميع القطاعات وتجعل من الجامعة قاطرة هذ التحسين وهذه الجودة…

كل القطاعات الحكومية، وغير الحكومية في الدول المتقدمة، إنما تعود للجامعة وللباحثين فيها ولمراكز البحث المستقلة لرسم سياساتها العامة ولطرح بدائل للمستقبل تزيد من نجاحاتها وتحسين تطويرها. أبدا ما تم إعداد سياسة عامة أو سياسة مؤسسات خاصة في أي قطاع من دون استشارة قطاع المعرفة، ومن دون تمكينه من وضع المخططات والتصورات الخاصة بالمستقبل والضامنة للنجاح. إلا نحن ما زلنا ننظر إلى الجامعة وكأنها مجموعة من المعاهد للتكوين النظري المفصول عن الواقع ينتهي بتسليم الشهادات، وتخريج الدفعات. أبدا ما كانت المهمة واضحة للدور الذي ينبغي أن تقوم به هذه المؤسسة المفتاحية لأي تقدم أو ازدهار. وأبدا ما كان مطروحا بجد السؤال الرئيس المتعلق بها: أي مساهمة لها في التحسين المستمر والجَوْدة؟ وأي دور لها في ذلك على مستوى باقي القطاعات؟ بل كيف تعرف هي التطوير والتحسين والجَوْدة؟

لقد هالني ذلك التبديد الكبير للثروة المعرفية على مستوى الجامعة أكثر من تبديد الميزانيات والإمكانيات. إننا لا نستفيد من عقول شبابنا كما ينبغي، بل ندفعهم دفعا من خلال سياسات تعليمية غير رشيدة إلى تبديد طاقاتهم والالتحاق تدريجيا بعالم اليأس والإحباط أو التفكير في الفرار إلى خارج الوطن.

كم من الأبحاث تُنجَز سنويا في جميع القطاعات؟ كم من ساعات تكوين تُقدَّم في كافة التخصصات؟ كم من الأموال تُنفَق في هذا المجال على الأساتذة والطلبة؟ كم من وقت يُهدَر في أكثر الفترات خصوبة معرفية للطالب أو الطالبة، الباحث أو الباحثة لتحقيق ما نتطلع إليه من تحسين مستمر وتقدم؟ إننا لا يمكن أن نُقدّر بثمن كل هذه الجهود المبذولة وكل تلك الهياكل المُجنَّدة وكل تلك العقول المُسخَّرة لقطاع التعليم العالي والتعليم بشكل عام. أغلى ثروة تملكها بلادنا هي بين يدي هذين القطاعين، التعليم بجميع أطواره بما في ذلك التكوين المهني، والجامعة. ما الذي يجعلنا نُهمِل هذه الثروة ولا نُشركها حقيقة بطريقة مباشرة في تطوير وتحسين الجهد التنموي؟ أليست هذه خسارة أكبر من تلك التي نتحدث عنها عندما يتعلق الأمر بتبديد ملايير الدولارات في الاستهلاك أو الكماليات؟ وما الذي ينبغي أن نقوم به لتصحيح هذا الخلل؟

بكل تأكيد إن هدر الامكانيات الفكرية والبحثية والعلمية وطاقة الشباب الباحثين والمؤهلين للتفكير والقيادة هي أكبر من هدر الأموال الطائلة وإن قُدِّرت بملايير الدولارات. وعلينا أن نوقف هذا الهدر من خلال البحث في آلية أو آليات جدِّية للتحسين المستمر والتطوير ووضع حد للهدر بجميع أشكاله.

لقد هالني ذلك التبديد الكبير للثروة المعرفية على مستوى الجامعة أكثر من تبديد الميزانيات والإمكانيات. إننا لا نستفيد من عقول شبابنا كما ينبغي، بل ندفعهم دفعا من خلال سياسات تعليمية غير رشيدة إلى تبديد طاقاتهم والالتحاق تدريجيا بعالم اليأس والإحباط أو التفكير في الفرار إلى خارج الوطن. لِمَ ذلك؟ أليست لدينا الآليات الكافية للقيام بما ينبغي القيام به؟

أين الاستشراف الاستراتيجي الذي يدرج الجامعة ضمن السيناريو الأفضل الذي تتوخى بلادنا تنفيذه؟ بل أين هذا السيناريو الأفضل الذي نحن الآن بصدد تنفيذه لأجل صناعة مستقبلنا المرغوب؟ أم أننا نسير هكذا ننتظر بعض الأفراد المُلْهَمين يوجِّهوننا نحو الغايات الكبرى التي نُريد تحقيقها؟ أليس هذا نوعا من الوقوع في”الدروشة” السياسية التي تؤمن بأن الأمور ستتغير من تلقاء نفسها نحو الأفضل بعيدا عن أي دور للعقل والمعرفة الجماعية والمنظمة والمنهجيات الفعالة في مجال تثمين جميع أشكال الثروة بَدءا بالثروة المعرفية؟

إننا نرى في كل سنة مزيدا من التوجه نحو الغايات الكمية المتعلقة بتطوير الجامعة (والمدرسة قبلها)، مزيدا من اعتبار رضا الجميع بسياسة الأمر الواقع هو نوع من النجاح. مادامت ليست هناك اضطرابات خطيرة، وما دامت الأغلبية راضية بالوضع كما هو، أجور في مستوى الجهد القليل المبذول أو أكثر مما يستحقه البعض، وشهادات تُسَلَّم مع نهاية كل موسم، فإننا ينبغي أن نعتبر ذلك من الإنجازات وأن لا نُفكّر في الزيادة أو التطوير والتحسين…

هل محكوم علينا أن نبقى في هذه الحال ونترك ثروتنا البشرية الحقيقية تتبدد؟ أم أنه علينا أن نُثَمِّنها ونضعها ضمن الإطار الأمثل الذي يجعل منها بالفعل قاطرة التنمية والتقدم؟

من دون شك، لقد طَرَحَتْ هذا السؤال أكثر من جهة، بل طَرَحَتْهُ إطارات تبوأت نفسها المكانة الأعلى في صرح هذا القطاع،  ولكنها لم تتمكن من الإجابة عنه الإجابة الصحيحة. كل ما استطاعت القيام به، أنها حاولت التحسين ببطء جديد، من دون جدوى، وكأن المنطق العام الذي هيمن على هذا القطاع أصبح أقوى من كل الأفراد، ومن كل إرادات التحسين حتى ولو كانت صادقة. وهذا ما أصبح بإمكاننا تسميته بالمرض المزمن الذي يحتاج إلى أكثر من علاج لعلنا نستطيع تجاوزه. ليس في قطاع التعليم العالي بل في كافة القطاعات…

ومن بين أساليب العلاج وعلى رأس ما سبق وأشرنا إليه في هذه السلسلة من المقالات ومنذ سنوات، أن نعتمد سياسة جديدة عنوانها “التحسين المستمر والجودة”، ليس كما هو معمول به اليوم من خلال مديرية تُكلَّف بهذا الأمر في نطاق الكل البطيء والرافض للتحسين، إنما من خلال إنشاء هيئة مستقلة أو وزارة كاملة تجمع بين الجودة والتطوير والتحسين المستمر واستشراف المستقبل، ليس لأي قطاع سلطة عليها بل هي سيدة الجميع وتُحاسب الجميع على ما يقومون به من بحث عن الجودة والتحسين، وتُحدِّد مساراتهم المستقبلية.

ـ ألسنا في مجال التعليم العالي مثلا في حاجة لمن يقول لنا بشكل مستقل ما إذا كان النظام الجديد للتعليم (LMD) مُطبّقا كما نصت عليه اللوائح والقوانين، وكما هو معمول به في كل العالم، فيه تمييز واضح بين الأكاديمي والمهني، وفيه تقييم موضوعي لمدى الأكاديمية أو المهنية وأن نعطي النسبة الملائمة لكل مجال من المجالات؟ مَن يقوم بذلك؟

ـ ألسنا  في مجال البحث العلمي، حتى نبقى ضمن هذا القطاع في حاجة إلى التمييز بين أساتذتنا الأكفاء وغير الأكفاء، طلبتنا النجباء وغير النجباء؟ مدى الأهداف التي تم تحقيقها داخل القطاع بالمقارنة مع تلك التي أعلنها بنفسه؟ مدى مطابقة الأهداف المحققة للميزانيات المخصصة، وما قيمة الهدر في كل ذلك؟ مَن يقوم بذلك؟

ـ وفي القطاعات الأخرى، (الصحة، الصناعة، الثقافة، النقل، الطاقة، البناء، الفلاحة، العمل، الشؤون الاجتماعية، الشؤون الدينية…الخ) هل نحن فقط في حاجة إلى المحاسبة المالية والإدارية؟ أم نحن في حاجة إلى محاسبة من نوع آخر تتعلق بمدى التطوير والتحسين ونوعية الأداء ومطابقة الموارد المسخرة للأهداف المحققة؟ 

مَن يقوم بهذه المهمة؟

 يبدو لي أننا بالفعل، في حاجة اليوم إلى هيئة مستقلة تقوم بذلك أو وزارة بكاملها، تكون مهمتها التنسيق أولا بين الجامعة التي أصبحت هيكلا ثقيلا يحتاج إلى إصلاح في ظرف قصير، باعتباره المؤهل الأول للقيام بهذا الدور، وباقي القطاعات التي يُفترَض أنها تحتاج إلى الكفاءات الوطنية لتحسين أدائها. 

وفي هذا المجال لا تكفي مديريات للتخطيط والاستشراف وحدها للقيام بذلك، بل لا تكفي مديريات للجودة، إن وُجدت، ما دام كلاهما يشتغلان ضمن هيكلة ثقيلة يصعب توجيهها من الداخل.

إننا بالفعل في حاجة إلى مثل هذه الهيئة… ينبغي ألا ننتظر “نصائح” المؤسسات الدولية تقترح علينا كيفية العمل في هذا المجال… علينا أن نبادر بما ينبغي أن نفعل من دون الاستهانة بخبرة الآخرين.. إنها مسؤوليتنا نحن، قبل أي لوم نوجه لهذه الجهة أو تلك…

مقالات ذات صلة