كم هو جميل تنوعنا!
ليس فقط في الجانب اللغوي، وليس فقط في الجانب الفيزيولوجي، أو الطبيعي، بل في كل الجوانب الأخرى الفكرية والسياسية، يبدو تنوُّعنا جميلا غير حادٍ وصانعاً لقوتنا في جميع المجالات، إذا ما عرفنا كيف نَنزع عنه كل تلك العوامل غير الحضارية المؤدية إلى التناحر أو الصراع أو التشتُّت والانقسام.
إننا في حاجة اليوم إلى هذا التنوع المتناغم أكثر من حاجتنا إلى البحث عن نَمطية شاملة لكل مناحي حياتنا المعنوية والمادية، ذلك أن تنميط الحياة لا يصنع القوة ولا يؤدي إلى الابتكار أو التقدُّم، إنما هو المدخل إلى العنصرية المقيتة وإلى الديكتاتورية الظالمة وإلى الحجر على العقول وعلى العواطف والأفكار، بل هو المدخل إلى التناقض مع إحدى سنن الكون المتمثلة في التنوع كأساس لبناء الحضارة وتحقيق الكرامة للإنسان.
إن التنوع في جوهره هو الذي يُعطي معنى للوجود ويدفع إلى العطاء أكثر، ويصنع التكامل الأسري والاجتماعي بل ويُعبّد الطريق لكل حُكمٍ عادلٍ ولكل سياسة قائمة على احترام الآخر بما في ذلك خصوصية الحياة.
لذلك نحن في حاجة ماسة اليوم إلى أن نخرج من مستوى التفكير النمطي، الأحادي، من مستوى تلك اللغة التي إن لم يستخدم صاحبُها مصطلحات بعينها يكون قد رفض تقديم الولاء ويستحق العقاب.. إلى مستوى أرحب وأوسع يكون باستطاعته استيعاب تدفقنا وعطائنا المرتقب في مختلف المجالات.
لقد ولّى ذلك الزمن القائم على “تنميط” الفكر والاقتصاد والسياسة والثقافة، ولم يعد اليوم قادرا على استيعاب الطاقات المُتدفقة والكامنة، فما بالك بصناعة المستقبل أو إعادة بناء الحضارة.
ونحن نريد أن نقوم بالعملين معا، صناعة المستقبل وإعادة بناء الحضارة، لنستعيد بعض ما فقدنا من الأمل.
كيف يمكننا ذلك؟ هل بقتل التنوُّع ومحاربته وتخوين كل مدافع عنه؟ أم بالبحث عن كيفية استخلاص عناصر القوة منه؟
نكون قد جانبنا الطريق الصحيح في هذا المجال إذا ما أعطينا مفهوم الشعب الواحد والأمة الواحدة تلك النمطية القاتلة التي لا تكتفي بالرأي الأوحد واللغة الواحدة، بل تصل إلى مستوى الزي الواحد والخطاب الواحد والاعتقاد في عبقرية الشخص الواحد، بل إننا سنخطو الخطوات الأولى نحو التطرف إذا ما سلكنا مثل هذا الطريق بكل ما في التطرف من تداعيات.
أما إذا طرحنا الطرح الجميل، جمال تنوُّعنا، فإننا سننتقل بنظرتنا إليه من مستوى الأفراد والجماعات والقبائل والعشائر والمناطق والجهات، إلى مستوى الخط التاريخي العميق، إلى مستوى الحضارة. وعندها يتحقق الشرط الأساس، الضامن لكل انحراف في مجال التنوع، ولكل محاولة لمنعه من أن يكون متكاملا منتِجا للإبداع صانعا للأمل وللمستقبل.
إن رهاننا هو التنوع، وضمانتنا هي الحضارة، وكل مَن خرج عن ذلك سيكون فعله معزولا من غير انتماء، وغير قادر على البقاء.