كنوز الجزائر القديمة ومكتبات الأقدام السوداء على أرصفة العاصمة
ليست بورلفار سان ميشال في باريس ولا شارع المتنبي في بغداد ولا شارع الحمراء في بيروت، إنها ببساطة ساحة البريد المركزي بالجزائر العاصمة التي أضحت مكنا يتقاسمه قرابة 13 بائعا للكتب القديمة والمستعملة، وهذا بعد أن أقدمت بلدية الجزائر الوسطى على منح رخص استغلال لعدد من مستعملي أرصفة البريد المركزي للترويج لسلعتهم،
غير أن منح الرخص ليس كافيا لمنح هذا النشاط صفة الشرعية الحقيقية، حيث يتساءل رضا الذي يملك أزيد من 15 سنة خبرة في بيع الكتب على الرصيف” هل نحن تابعون لوزارة التجارة، هل نحن تابعون لوزارة الثقافة؟ نملك مجرد رخصة من ولاية الجزائر ينتهي نشاطنا حال قررت الولاية إلغاء الترخيص، ويضيف بائع الكتب المتجول قائلا مهنتها ليست مضمونة، فضلا عن تقلبات الظروف الجوية التي تتحكم في عرضنا وتحدد أوقات نصب الطاولات، فإنها مهنة لا توفر لك التقاعد أو ضمان المستقبل.
وجدنا رضا يسترجع أنفاسه بعد مشوار قصير غادر لقضاء بعض حوائجه وترك زميل له ليعوضه، عاد رضا الذي يعتبره زملائه بساحة العرض أفضل من يتحدث عن هذه المهنة بالنظر لعدد السنوات التي قضاها فيها، يؤكد رضا أن المهنة لا توفر هامش الربح ومن يزاولها يستند فقط لحبه للكتب.
أما عن مصدر الكتب فقد أكد المتحدث أنها تأتي من عدة مصادر كالهبات ومن يرغب في التخلص من كتب لا يحتاجها، طلبة يجددون مكتباتهم ببيع القديم واقتناء الجديد.
عند رضا وجدنا كتبا قديمة يعود تاريخها إلى عشرينات القرن الماضي،
أكد لنا أنه اشتراها من زوجين في العاصمة، عثرا عليها في سقف بيتهم أثناء أعمال الصيانة وتجديد البيت، وهي تعود ملكيتها إلى زمن الاحتلال الفرنسي للجزائر والمعمرون الذين اعتقدوا أنهم يوما ما سيعودون إلى بيوتهم، فقاموا بإخفاء الكتب واللوحات الفنية في أسقف البيوت بصفتها ممتلكات ثمينة وذات قيمة تاريخية وفنية، لكن الجزائريين تخلصوا منها في أقرب فرصة.
عن زبائن المعرض الدائم للكتب المعروضة يؤكد رضا أن أغلبهم من الطلبة وأساتذة الجامعة والإعلاميين، ويضيف أن 80 في المائة من زبائن الروايات نساء وفي بعض الأحيان خاصة في المساء عندما تتراجع درجة الحرارة وتخرج العائلات العاصمية إلى الشارع تطلب منه إحداهن أو أحدهم كتاب يجلس لقراءته ويرده إليه في أخر اليوم ويغادر بسلام، ويعتبر المتحدث أن وجود هذا الشارع بالعاصمة يضفي على المدينة مظهرا حضاريا ويمنحها سمة المدينة”المحبة للثقافة”، وطالب رضا وزملائه بضرورة أن يكون لبائعي كتب الأرصفة معرضا رسميا أو حتى اعتمادهم للمشاركة في المعرض الدولي للكتاب الذي يعقد سنويا، وهنا يحتفظ رضا بجميل للمدير السابق للمكتبة الوطنية الدكتور أمين الزاوي الذي نظم ملتقى للكتاب القديم وأشرك فيه بعض من الذين تعودوا على امتهان بيع الكتب على الأرصفة.
ومن يومها لم تتكرر التجربة يقول راضا ونحن نرجوا من وزارة الثقافة أن تتبنى هذه التجارة وتقننها وحتى تنظم لها معرضا مستقلا سنويا، على غرار ما هو معمول به في العديد من الدول بهدف الحفاظ على هذه التجارة من الزوال.