الرأي

كورونا ودروس صامتة أبلغ من الكلمات والعبارات

سلطان بركاني
  • 700
  • 3
ح.م

لا تزال أيام رمضان تتوالى وتتعاقب في سرعة عجيبة تقرع القلوب وتهزّ الأرواح.. ولا تزال أيام بلاء كورونا يتبع بعضها بعضا، ولا أحد يدري كم تدوم ولا متى يرحل عنّا هذا الوباء الذي طال أمده، وبدأت بعض النّفوس تتضجّر منه.. نعم من حقّنا أن نتمنّى رحيله وندعو الله باللّيل والنّهار أن يكشفه عنّا عاجلا غير آجل، لكن لا ينبغي أبدا أن نشكّ في عدل الله ورحمته ولا ينبغي أن نيأس من روحه مهما طال البلاء.

يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله: “إياك إياك أن تستطيل زمان البلاء، والتضجر من كثرة الدعاء، فإنك مبتلى بالبلاء، متعبَّد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله وإن طال البلاء”.. مهما رأينا الضرّ يحوم من حولنا، ومهما ضاقت بنا الحيل، فلا ينبغي أن يخيب لنا في مولانا الرّحيم أمل، فهو سبحانه يرسل النّعم بفضله وينزل البلاء بحكته، ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)).

أخي المؤمن.. وأنت تستعظم هذا البلاء وتجد من نفسك أنّها تستكثره وتستطيله، قارن حالك بحال “إنسان آخر حظرت الحرب تجواله؛ فأنت في حظرك آمن وهو خائف، شبعان وهو جائع، نائم وهو سهران، لا تخاف على بيتك الدّمار وهو يخشى سقوط قذائف تدمر بيته وتقتل أهله”.. هذا سيدعوك إلى أن تستحي من ازدراء نعمة الله عليك؛ فكم من ملايين يتمنون عُشر ما أنتفيه!.. بل وأنت تعاني حجرا ربّما لن يتجاوز بضعة أشهر بإذن الله، عندك فيه طعامك وشرابك،ينبغي لكأن تتذكّر ما كابده النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حين حوصروا في شِعْب أبي طالب ثلاثَ سنوات،في حرّ مكة حيث لا بيوت ولا مكيفات ولا مستشفيات ولا مطاعم، ومُنعوا البيع والشّراء، حتى أكلوا أوراق الشجر.

كورونا بلاء حصد أرواح ما يقرب من ربع مليون إنسان، وأصاب أكثر من 3 ملايين، لكنّه حمل معه دروسا صامتة هي أنفع من الدّروس التي تنطق بها الألسن وتحملها الكلمات.

كورونا أجبر حكومات العالم على تعليق أكثر الأعمال والنّشاطات فجأة، حتّى وجد كثير من النّاس أنفسهم في طوابير البطالة، لا يستطيع الواحد منهم حيلة ولا يهتدي سبيلا، هذا التعليق المفاجئ يذكّر من تذكّر بالرّحيل المفاجئ عن هذه الدّنيا.. كما عُلّقت أعمالنا فجأة، ربّما يأتي على الواحد منّا يوم يرحل فيه فجأة، وربّما يرحل ويترك خلفه فوضى عارمة لا يصلحها بالنيابة عنه أحد بعده؛ يترك أعمالا ناقصة كان يؤجّلها ويسوّف في إصلاحها. يترك مواعيد كان أخلفها. يترك أحبابا آذاهم وكان يؤخّر الصّلح معهم. يترك توبة كان يؤجّلها من موسم إلى آخر. يترك أعمالا صالحة كان يتمنّى التزوّد منها. لكنّه ظلّ يؤجّل من أسبوع إلى آخر، ومن موسم إلى آخر.

كورونا جعل الواحد منّا يفرّ من أمّه وأبيه وزوجته وأخيه، ومن صديقه وحميمه، وإن لقيه ابتسم له وحيّاه من بعيد، وهذا ينبغي أن يذكّرنا بذلك اليوم العظيم يوم القيامة، ((يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَة))

كورونا جعل كلّ واحد منّا يكتشف حقيقة نفسه ويقف على عيوبها وعلى كثرة أعذارها الواهية.. كانت نفوسنا قبل كورونا تتعلّل بكثرة المشاغل وقلة أوقات الفراغ! وها هو كورونا قد منحنا –بتقدير الله- كثيرا من الفراغ؛ فماذا أنجزنا؟ وكم أنهينا من أعمال وأشغال ومشاريع؟ ربّما لم يتغيّر كثير شأن في حياتنا؛ فلا نزال نؤجّل ونسوّف ونحرق أعمارنا فيما لا ينفعنا في الأولى ولا في الآخرة! فالمشكلة إذن ليس في قلّة أوقات الفراغ، إنّما هي في نفوسنا.

كورونا علّمنا أيضا -بإذن خالقه- أنْ نراجع أولوياتنا.. “قبل كورونا كانت اهتماماتنا تسرح بعيدا عن بيوتنا، وكان كلّ واحد منّا يحمل هموما بعيدة كلّ البعد عن بيته وزوجته وأبنائه، لكن مع الحجر المنزلي، تعلّمنا أنّه ينبغي أن نعيد ترتيب أولوياتنا واهتماماتنا، واكتشفنا أنّه ليس لنا وقتَ الشدة بعد الله إلا بيوتنا وأسرنا، ونحن في أمسّ الحاجة لأن نجدد الدفء بين جوانبها، ونصلح شرخ القلوب الذي صنعه اللّهث خلف المادة، حتى أصبحت بيوتنا لا تختلف عن الفنادق!”.

كورونا علّمنا -بإذن الله- أنّ فرائض ديننا وواجباتنا اليومية ما كانت لتأخذ منّا وقتا كثيرا لو كنّا نؤثر الآخرة على الدّنيا، ولكن لأنّنا -إلا من رحم الله منّا- كنّا نؤْثر الدّنيا على الآخرة، كنّا ننظر إلى الدّقائق القليلة التي نقتطعها لأجل الصّلاة أو لأجل قراءة ورد من القرآن أو لأجل برّ والد أو والدة أو صلة رحم أو عيادة مريض، كنّا نرى كلّ هذه الأوقات أوقاتا طويلة تشغلنا عن دنيانا، لكنّنا اكتشفنا بعد كورونا أنّ أنفسنا كانت تخدعنا.. فها هو –مثلا- التّاجر الذي اضطرّه بلاء كورونا لأن يغلق محلهلأيام وأسابيع،يدرك أنّ دقائق الصلاة التي كان يبخل بها عن نفسه في وقت العافية لم تكن لتضر بتجارته.

كورونا علّمنا أنّ كثيرا من شعائر الدّين وآدابه التي كانت أنفسنا توسوس لنا بأنّها صعبة بل مستحيلٌ العمل بها في هذا الزّمان، علّمنا كورونا أنّها ليست كذلك، وأنّ الخلل في نفوسنا الضّعيفة وفي تقديسنا لنظرة الآخرين.. المسلمة وهي ترتدي كمامة تغطي وجهها، اتّقاء كورونا، ستعرف أنّ الغطاء الذي تضعه بعض النّساء على وجوههنّ لم يكن يستدعي السّخرية واللّمز بالتشدّد! فهو لم يكن يعطل نشاطاتهنّ اليومية، كما لا تعطّل الكمامة نشاطات النّاس الآن.. المسلم الذي اضطرّ إلى تحاشي الاختلاط خوفا من كورونا سيعرف أن الاختلاط المنفتح وغير المنضبط لم يكن يزيد في مؤهلاته، ولم يكن يظهره أكثر فهما وتحضّرا.. حينما ينصح الواحد منّا الناس من حوله بلزوم وسائل الوقاية من كورونا وينبههم إلى مخاطر الاستهتار بالوباء، أو يسمع من ينصحه بذلك، سيدرك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يكن تدخلاً في الخصوصيات.. كورونا علّمنا باختصار أنّ ديننا بتشريعاته وشعائره هو مصدر عزّ وفخر، وأنّ المشكلة هي في سوء فهمنا له وفي ضعفنا أمام الفكر الماديّ.

كورونا علّمنا أيضا أن نعرف لأهل الفضل فضلهم وأن نُنزل النّاس منازلهم. جعلنا نعرف قيمة العلماء والأطبّاء والممرّضين ورجال الحماية المدنية وأعوان النّظافة، وندرك أنّهم بفضل الله درعنا الذي ينبغي أن نهتمّ به ونقدره قدره، وأنّ الفنانين والرياضيين الذين ننفق عليهم بسخاء في أوقات العافية، لن يُقدّموا لنا شيئا في أوقات المحن والأزمات.

مقالات ذات صلة