كيف أفشلت الشرطة الجزائرية هندسة الاستنزاف بالمخدرات والمهلوسات؟
لم يعد مفهوم الأمن القومي في العصر الحديث مقصورا على الحدود الجغرافية التقليدية أو مجابهة التهديدات العسكرية المباشرة فحسب، بل امتد ليتعاطى مع منظومة معقدة ومتشابكة من التحديات غير التقليدية، والتي تُعرف في أدبيات العلوم السياسية والعسكرية الحديثة بـ”حروب الاستنزاف الهجينة”. وفي قلب هذه المنظومة المعاصرة، تبرز تجارة المخدرات والمؤثرات العقلية والتهريب الدولي كأحد أخطر الأسلحة الموجَّهة لتخريب المجتمعات من الداخل، وتفكيك نسيجها البشري، واستنزاف مقدراتها الاقتصادية والأمنية.
إن الدُّول التي تخوض معارك حقيقية من أجل تثبيت استقلال قرارها السياسي، ورفض التبعية المطلقة، وحماية مسارها السيادي الوطني، غالبا ما تجد نفسها في عين العاصفة، مستهدَفة بشكل منهجي عبر شبكات إجرامية عابرة للقارات تُوظَّف كأدوات خفية لتحقيق غايات جيوسياسية أوسع تهدف إلى تقويض استقرارها وإشغالها بأزمات داخلية مستمرة لا تنتهي.
لقد علّمنا التاريخ الإنساني، منذ محطات استعمارية فارقة مثل “حروب الأفيون” التي قادتها الإمبراطورية البريطانية لكسر إرادة الصين في القرن التاسع عشر، وصولا إلى الأساليب المعاصرة للضغط والاستنزاف، أن تحويل المواد المخدِّرة إلى سلاح تدمير جماعي موجَّه ليس وليد الصدفة الناتجة عن جشع بعض الخارجين عن القانون فحسب، بل هو هندسة شيطانية تديرها أحيانا مراكز قوى إقليمية ودولية تسعى لتقويض الدول الواقفة في وجه مخططاتها التوسعية والاستعمارية.
وفي هذا السياق الجيوسياسي المحتدم، تقف الجزائر كنموذج حيٍّ لدولة مستهدَفة بضراوة، خاصة منذ نجاح الحَراك الشعبي المبارك في تطهير البلاد من عصابات الفساد والوصاية والتبعية التي كانت سنوات طويلة في خدمة أجندات قوى خارجية، على رأسها فرنسا وأدواتها الإقليمية، فضلا عن تقاطع المصالح مع كيانات أخرى تجد في صلابة الموقف الجزائري ومبادئه الثابتة تهديدا مباشرا لمصالحها وهيمنتها في المنطقة.
من هنا، يأتي توظيف الثلاثي المشبوه المتمثل في فرنسا كمخطط ومهندس استراتيجي، والمغرب كواجهة لوجستية وممر لتنفيذ الضربات واختراق الحدود، والإمارات كممول ومصرف لإدارة العائدات المالية وغسلها، كإستراتيجية عدائية واضحة المعالم، تستهدف إشغال الجزائر في معارك أمنية واجتماعية متواصلة. إلا أن الرهان على زعزعة استقرار الجزائر هذه الدولة العريقة اصطدم بصخرة صلبة تتمثل في جاهزية مؤسساتها السيادية، ووعي جبهتها الداخلية، واليقظة المطلقة لجيشها وشرطتها وأجهزتها الأمنية، وهي الحقيقة التي تجلت بأبهى صورها في العملية الاستثنائية الأخيرة التي قادتها المديرية العامة للأمن الوطني، والتي أسقطت هيكل شبكة دولية ضخمة لتهريب 10.4 مليون كبسولة “بريغابالين” و33 كيلوغراما من الكوكايين.
الهندسة الأمنية وتطور العقيدة العملياتية
إن العملية الأمنية الأخيرة التي أعلنت عنها المديرية العامة للأمن الوطني لم تكن مجرد ضربة روتينية موفقة ضد شحنة عابرة، بل كانت “معلما تاريخيا بامتياز” يعكس النقلة النوعية الكبرى في العقيدة العملياتية للشرطة الجزائرية والأجهزة الأمنية كافة. وعندما تتحدث الأرقام عن حجز هذه الكمية الهائلة من المخدرات والمهلوسات، فإن القصة الحقيقية لا تكمن في ضخامة البضاعة المادية وحدها، بل في طبيعة الهدف الذي سقط. لقد نجحت الشرطة الجزائرية، بدعم واحترافية عالية من فرقة العمليات الخاصة، في الانتقال الشجاع والمحترف من توقيف صغار المروِّجين وباعة التجزئة في الأحياء الهامشية، إلى استهداف الرؤوس المدبِّرة، واجتثاث الهياكل التنظيمية والمالية الكبرى للبارونات من جذورها الأساسية.
هذا التحوُّل الاستراتيجي في الأداء الأمني يؤكد أن المؤسسة الأمنية باتت تتعاطى مع الجريمة المنظمة باعتبارها تهديدا وجوديا للأمن القومي الجزائري، والذي يتطلب ذكاءً استعلاماتيا متقدما وصبرا استراتيجيا طويلا.
وعندما نتابع مسار التحقيقات التي انطلقت مبكرا منذ شهر يناير 2026، مرورا بشهور طويلة من التعقب الدقيق لمسارات الشحنات القادمة من الولايات الجنوبية والمدارات المعقدة لحركة الأفراد والاتصالات، وصولا إلى ساعة الصفر المتمثلة في تنفيذ توقيفات متزامنة ومحكَمة في ولايات حيوية متعددة مثل وهران، وتيزي وزو، والجزائر العاصمة، والبليدة، وتيبازة، فإننا نقف أمام أداء أمني يضاهي أرقى المؤسسات الاستخباراتية في العالم.
إن التزامن الدقيق في اقتحام أوكار الشبكة لم يترك للمجرمين فرصة لالتقاط الأنفاس أو إتلاف الأدلة، مما أسفر عن الإطاحة بخمسة وعشرين عنصرا خطيرا (مكوَّنين من أربع وعشرين جزائريا وموريتانيا واحدا)، وحجز تسع عشرة مركبة وثلاث دراجات نارية، فضلا عن ضبط مبالغ مالية ضخمة تجاوزت المليار ونصف المليار سنتيم، اعتبرتها التحقيقات عوائد مباشرة ومثبتة للنشاط الإجرامي المنظم. والأكثر أهمية من ذلك هو تتبع الأموال وغسلها، إذ أدرك المحققون أن قطع رأس الأباطرة لا يكتمل إلا بتجفيف منابعهم المالية واستهداف شبكات تبييض الأموال التي تديرها عناصر متمركزة في الخارج، وتحديدا في الإمارات العربية المتحدة.
فضح هندسة الجريمة الجيوسياسية
إن ما يضفي على هذه العملية طابعها الاستثنائي والخطير في آن واحد، هو كشفها للعمق الإقليمي والدولي الذي تتغذى منه هذه الشبكات، والذي يؤكد ما ذهب إليه المحللون والمتبعون للمشهد الجيوسياسي من وجود استهداف منهجي ومدروس للجزائر، فقد أثبتت التحقيقات الرسمية للشرطة الجزائرية أن خيوط هذه العصابة لا تتوقف عند الحدود الوطنية، بل تمتد لتتوزع الأدوار بين عواصم ومدن أجنبية بدقة تعكس طبيعة “الحروب الهجينة”:
- المغرب: أشارت المعطيات إلى أن بارونات مخدرات مغاربة، بالتنسيق مع شركاء جزائريين فارين من العدالة، كانوا يتولون إدارة جزء محوري من التخطيط والتوجيه والتسهيل اللوجستي لعمليات التهريب واختراق الحدود الغربية للبلاد.
- دبي (الإمارات العربية المتحدة): جرى الاعتماد على خلايا نائمة وعناصر متمركزة هناك لإدارة الأموال الهائلة، وتسيير وتحويل العائدات المالية الناتجة عن الاتجار بالمخدرات وتبييضها في قنوات مالية معقدة بعيدة عن الرقابة المباشرة، مما يوضح الدور المالي التمويلي للشبكة.
- فرنسا: رصدت التحقيقات وجود عناصر وتفرعات للشبكة على أراضيها، مما يضع علامات استفهام كبرى حول البيئة الحاضنة والميسِّرة لمثل هذه الأنشطة العابرة للقارات والتي تستهدف استقرار الدول الرافضة للتبعية.
هذا التوزيعُ الدقيق للأدوار بين التخطيط الذي تُتهم عواصم هندسية برعايته، والإسناد اللوجستي والميداني الذي تؤدّيه شبكات التهريب عبر الحدود الغربية، والتمويل وغسل الأموال الذي يدار من مراكز مالية إقليمية، يكشف بوضوح أننا لسنا أمام مجرد عصابات تقليدية تسعى للربح المادي السريع، بل أمام منظومة إجرامية وظيفية تخدم أجندات كبرى ترمي إلى ضرب استقرار الجزائر، وإرهاق أجهزتها الأمنية والصحية، واستنزاف طاقات شبابها في حرب مخدرات صامتة.
إن رفع القبعة لرجال الشرطة الجزائرية ولجميع الساهرين على أمن الوطن هو واجب وطني وأخلاقي، تفرضهُ تلك التضحيات الجسام والاحترافية العالية التي أظهرتها الأجهزة الأمنية في أداء واجبها بكل أمانة وإخلاص.
وستبقى الجزائر، بوعي شعبها، ويقظة مؤسساتها، وبسالة جيشها وأمنها، حصنا منيعا يتحطّم على صخرته كل رهان استنزافي أو عدوان خفي. وإن النصر في هذه المعارك لا يُقاس فقط بحجم المحجوزات، بل بمدى ترسيخ هيبة الدولة، وحماية سيادتها، وصيانة عقول أبنائها وشبابها الذين يمثلون عماد المستقبل وبناة الصرح الوطني الشامخ، لتظل الدولة الجزائرية الجديدة، مستمسكة بقرارها السيادي الحر، عصية على كل محاولات التركيع والاستنزاف.
يأتي توظيف الثلاثي المشبوه المتمثل في فرنسا كمخطط ومهندس استراتيجي، والمغرب كواجهة لوجستية وممر لتنفيذ الضربات واختراق الحدود، والإمارات كممول ومصرف لإدارة العائدات المالية وغسلها، كإستراتيجية عدائية واضحة المعالم، تستهدف إشغال الجزائر في معارك أمنية واجتماعية متواصلة. إلا أن الرهان على زعزعة استقرار الجزائر هذه الدولة العريقة اصطدم بصخرة صلبة تتمثل في جاهزية مؤسساتها السيادية، ووعي جبهتها الداخلية، واليقظة المطلقة لجيشها وشرطتها وأجهزتها الأمنية.