كيف تسقط النخب والمجتمعات؟
يتكون المجتمع من مجموعات كثيرة مختلفة ومتنوعة موزعة على مراتبه الاجتماعية، في شكل طبقات وظيفية تقوم على شؤون المجتمع وتجني ثمار جهوده، أطلق على هذه الحالة مصطلح “السلم التراتبي”، وهو الذي نقصده بالطبقات الوظيفية، وليس المعنى الماركسي للمفردة؛ لأن كل فرد في المجتمع، وجد لتكون له وظيفة في المجتمع يساهم بها في بنائه وحركيته، ويجني بفضلها وفضل غيرها من الوظائف التي يقوم بها مجموع الأفراد ثمرة مستحقة يرتضيها لنفسه.
ويمكن صياغة هذه الطبقات الوظيفية في ثلاثة مستويات:
المستوى الأولى هو المستوى القيادي، المتمثل في القيادات الثقافية، الاجتماعية، السياسية، وهم العلماء والإعلاميون وصناع الرأي والخبراء، والوجهاء والأعيان ورجال المال والأعمال، والسياسيون.
ومهمة هذه الفئة قيادية بكل ما تحمل هذه المفردة من معنى، فهي المعول عليها في القيام على شؤون المجتمع لتحقيق حاجاته كلها، وتأطيره فيما يحقق له مصالحه وما يمكنه من القيام بواجباته وييسر سبلها، وما يتبع كل ذلك من تشخيص للمشكلات التي يتعرض لها وكيفية التغلب عليها.
وصلاح المجتمع وفساده يبدأ من هنا، من هذه الفئة التي إذا صلحت يلصح المجتمع وإذا فسدت يفسد المجتمع؛ لأنها الفئة التي تبنى بها وتبنى عليها جميع مؤسسات المجتمع وكما يقول علامة الجزائر عبد الحميد ابن باديس رحمه الله ” لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم فإنّما العلماء من الأمّة بمثابة القلب إذا صلح صلح الجسد كلّه وإذا فسد فسد الجسد كلّه، وصلاح المسلمين إنّما هو بفقههم الإسلام وعملهم به وإنّما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون… ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته وما يستقبل من علمه لنفسه وغيره فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم ونعني بالتعليم التعليم الذي يكون به المسلم عالماً من علماء الإسلام يأخذ عنه الناس دينهم ويقتدون به فيه” [آثار أبن باديس 3/217].
وحصر ابن باديس لموضوع صلاح المجتمعات في صلاح العلماء والتعليم، فذلك من حيث الجذر الأول الذي ينبغي الاهتمام به في بناء المجتمعات ومنطلقاتها الإصلاحية؛ لأن العلماء هم الحلقة القوية في المجتمع، والتعليم هو الحلقة الأقوى في البناء الاجتماعي القوي الذي ينشئ لنا جميع الطبقات الوظيفية المتناغمة فيما بينها.
الفئة الثانية وتتمثل في مجموعات التحكم في المجالات المختلفة، Mairtise موزعة على التخصصات المتنوعة القائمة على حاجات المجتمع المختلفة، وهي الفئة الوسيطة بين الفئة الأولى والفئة الثالثة.
الفئة الثالثة تتمثل في الجماهير العريضة، من باقي عناصر المجتمع كلها.
ومتى اختارت النخب -الفئتين الأولى والثانية- القعود عن القيام بواجباتها تجاه شعوبها، أو الانحراف عن الجادة في خدمة شعوبها، فإن الاختلالات تظهر تلقائيا، في صورة ما من صور الاضطراب… إذ لا يمكن لشعب أن يقود نفسه بنفسه مستغنيا عن نخبه.
لم يرو التاريخ أن شعبا استطاع فعل شيء في الواقع من غير نخب وقيادات تقوده إلى ما يصلحه وينهض به…؛ بل يوجد في التاريخ شعوب سجلت من البطولات الكثير، ولكن ذلك لم يكن لتلك البطولات أن تظهر في الواقع لولا تلك القيادات وما تحمل من معرفة وقوة وصدق وشرعية، ومثال ذلك الخبرات الكثيرة التي ظهرت في التاريخ على أيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى أيد العلماء والزعماء والفاعلين الاجتماعيين… قد يوجد العالم والزعيم والفاعل الاجتماعي الذي فشل في مهمته لسبب ما…، كما يمكن أن يوجد النبي الذي لم يوفق في هداية قومه لسبب ما أيضا مثلما وقع لسيدنا نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ولم يستجب له أحد من الناس، ومع ذلك فالقاعدة العامة أن التفاعل بين الشعوب ونخبها هو الأصل الذي قرره الله لهذا الوجود.
فكيف يقع الخلل؟ ومتى يكون؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عنه هنا.
أول خلل عندما تتخلى النخب من واجباتها تجاه المجتمع، بحيث لا تشعر بأن عليها واجبات دون غيرها من الناس، وتبرر تقصيرها بعدم صلاحية الشعب أو باتهامه بالتقصير أو بعدم استحقاقه للتضحية المفترضة… وأسباب قصور النخبة عن القيام بواجباتها كثيرة جدا ربما نأتي على بعضها، ولكن الذي يهمنا بالأساس هو أن غياب دورها واختفائه من على سطح الحياة، معبر أساس عن السلبية التي بد من محاربتها.
ذلك أن النخبة هي المطالبة في الأساس بمعرفة أسباب التخلف وأسباب الجهل وأسباب السقوط وأسباب النهوض، وهي الطالبة بتأطير المجتمع للقيام بما يجب عليه هو الآخر، وهي المطالبة بالمبادرات والتضحيات والبذل في سبيل تحريك المجتمع على جميع الأصعدة، وفي سبيل سعادته، بفضل ما تتمتع به النخب من مكانة ودور مُفْتَرَضيْن.
قد يلاحظ على الشعوب التقصير تجاه نخبها، بحيث لا تشعر هذه النخب بأنها مسندة بالشعوب، بسبب ما تلاحظه من أنانيات في الأفراد والجماعات والكتل الاجتماعية، فيكون ذلك سببا في القعود والخذلان لهذه النخب… ولكن ما ينبغي أن تشعر به هذه النخب أن الشعوب لا تفعل ذلك عمدا وتجاهلا وإنما بسبب جهلها بمكانة النخب، وذلك بسبب عدم ظهور النخب بالصورة التي ينبغي أن تكون عليها؛ لأن النخب هي المحرك الأساس والتي تصنع الحركة وترسم الأهداف وترشد إلى الوسائل؛ بل إن النخب هي التي تؤطر الشعوب في مؤسسات شعبية ورسمية للقيام بواجباتها التي تعود عليها بالفضل والخير، مثل إنشاء الجمعيات الخيرية والثقافية والأحزاب السياسية والنقابات، والشعوب بطبيعتها لا يسعها إلا الانخراط في تلك الأطر كل بحسب ميولاته، وما يراه محققا لمصالحه بهذا الفعل أو ذاك… ومن ثم لا يحق لقيادات المجتمعات أن تشك في وفاء الشعوب لنخبها، وإنما عليها أن تراجع نفسها لأنها لم تظهر بالصورة اللازمة؛ لأن الشعوب ببساطتها لا تميل لمن لا تلمس فيه الصدق معها ويتمتع بالقدر الكافي من الشرعية والكفاءة التي تحقق للشعب ما يتطلع إليه.
قد يوجد في المجتمع من أفراد النخب من يقوم بالواجب الذي يشعر به، ولكنه لا يوفق بسبب أن الجرعة التي ينبغي أن تصل المجتمع فيحدث التوتر النفسي لم تكتمل، سواء بسبب قلة العدد، أو ضعف الإمكانات، أو بسبب ضعف التشخيص، وليس بسبب تقصير في الأفراد، وإنما بسبب تقصير المؤسسات؛ لأن المجتمع ليس مجرد أفراد موزعين هنا وهناك، وإنما هو مؤسسات، في شكل قبائل وأحزاب وجمعيات وغيرها من التكتلات الاجتماعية ودول وحكومات، فيغلب على هذه التكتلات التي لم تجتمع إلا ليخدم بعضها بعضا، العقلية الفئوية والطائفية والحزبية، فتصطبغ النخب بذلك، فتحجب عنها الحقائق التي ينبغي أن يدركها، سواء الحقائق التي تكشف له عن مكانته ودوره في المجتمع، أو الحقائق التي تملي عليه الواجبات اللازمة تجاه المجتمع.
إن أسوأ ما يطبع به الإنسان في موقع كان هو الأنانية، عندما ينتفخ فيه الأنا فيشعر أن إشباعه هذا الأنا هو الذي ينبغي أن يهتم به، وهذا الأنا يظهر في صورة مصلحة ذاتية، قائدة له لما يفعل ولا يفعل، وربما اصطدمت مصلحته بمصلحة الشعب، فيقدم مصلحته على مصلحة الشعب، وربما كان هذا الأنا متمثلا في حرصه على مصلحة القبيلة التي ينتمي إليها أو الطائفة الدينية التي ينتمي إليها أو الحزب الذي يناضل في إطاره، فتتعارض مصلحة القبيلة أو الطائفة الدينية أو الحزب، فيضحي بالمجتمع في سبيل تحقيق تلك المصلحة الموهومة، كما يمكن أن تظهر تلك الأنانية في صورة الدفاع عن مؤسسات الدولة، فتتعارض المصالح الموهومة للدولة مع مصالح الشعب، مثل الانقلابات التي تقع في الشعوب، بحجة أن فئة تريد الاستيلاء أو أن الشعب لا يعرف ما يصلحه أو هو منخدع ببعض الناس الذين ضحكوا عليه فأوهموه…
إن دواء الأنانية لن يكون إلا بالعودة إلى الطابع الاجتماعي للإنسان وليس للأنا، مهما كانت مبررات هذا الأنا؛ لأن الإنسان خلق ليتفاعل والجماعة وليس للمصلحة الفردية، ولذلك لن تكون مصلحة الفرد الحقيقية إلا في إطار الجماعة، ومتى غلبت الفردية وقع الخلل تحت أي مسمى كان.
ولذلك كانت أخطر سلبية على المجتمعات بعد تخلي النخب عن واجباتها، آفة الانغلاق على القبيلة والفئة والطائفة وغيرها من المنظورات الحزبية الجزئية التي تعد بمثابة العقلية الفردية المستبدة؛ بسبب إغفالها للبعد الاجتماعي للإنسان.
والأسباب كثيرة، منها الثقافي والاجتماعي والسياسي، ولكن اقتصرنا على الجانب النفسي؛ لأنه الأصل الذي ينشئ جميع البلاوي التي تصيب الجميع.