كيف لكم الدفاع عن خرجة بن غبريط الغريبة؟(الجزء الثاني)
مما لاشك فيه أن إخواننا الفرنكفونيين، سامحهم الله، قد تأثروا أيما تأثر بالكتاب الكولونياليين، وكما يقول المثل “كل إناء بما فيه ينضح”، فلا غرابة في أن يتبنوا أطروحات منظري الاستعمار أمثال لويس بيرتراند، ولويس لكوك وروبيرت راندو وغيرهم الذين بشروا باللغة الجزائرية الجديدة على لسان أبطال رواياتهم، جاجايو، وبيبيت، وبروميتش، هؤلاء الأبطال الذين يمثلون الرجل الجزائري الجديد الذي يتكلم بمزيج وخليط من العربية والاسبانية والفرنسية والمالطية والبربرية.
هذا النموذج قد تبنته السياسة الفرنسية في عهد ديغول المشؤوم الذي حضرت في خطابه “نظرية المجتمع الفسيفساء في تكوين الجزائر الجزائرية” بعد الانتخابات التي كان يعتزم القيام بها ليتفاوض مع القوة الفائزة فيها، والمتكونة طبعا من عناصر عربية وفرنسية وأوروبية ويهودية وليسلم لها الحكم كما يريد هو، ويبعد جبهة التحرير عن ذلك، ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي سفن ديغول.
إن هذا الاستنكار القوي من المواطنين الأحرار لدعوة بن غبريط المفضوحة في استعمال العامية، ينبغي ألا يفهم على أنه ضد العامية من قبل الذين يبررون أخطاء وزيرة، أقل ما يقال عنها إنها فاشلة وغير أهل لتسيير المؤسسة التي تشرف على تنشئة الأجيال وفقا لأهداف الأمة.
كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟ كيف يخدم العربية من يجهلها ولا يحسن حتى التحدث بها؟ بل كيف لشخص أن يقوم بشيء وهو يجهله؟ هل يحق لمن يجهل الألمانية مثلا أن يصدر حكما على أن التعليم بالألمانية ضعيفا؟
لقد كانت الوزيرة متناقضة مع نفسها في التصريحات التي أدلت بها في وسائل الإعلام، فهي من جهة تنفي نفيا قاطعا أنها تدعو إلى العامية، ومن جهة أخرى فهي تبرر وتدافع عن المفتشين الذين صرحوا بهذا الإجراء الذي تعتزم القيام به والذي لم تستطع أن توضحه أو تشرحه جيدا حتى يفهم الناس.
الواقع أن الذين استنكروا الإجراء، ليسوا ضد العامية، وليس لهم عداوة معها، فواقع الحال يقول إن هذا الاستعمال موجود في الممارسة في التعليم عرضا وللضرورة، ولكن الذي لا يقبل البتة ما هو مخبأ وراء هذا الإجراء الذي اتفق عليه وتم في نوع من السرية وفي غفلة من المجتمع ومن مؤسساته التي كان من الواجب، هي التي تقرر مستقبل التربية لأبنائه.
لماذا اللجوء إلى هذا الإجراء في هذا الوقت بالذات؟ وما هي العلاقة بين ضعف التلاميذ وهذا الإجراء؟ وأين يكون موقعه من البرنامج؟وإذا اعتبرناه نشاطا فهل يقوم؟ وما هي المعايير التي يقوم على أساسها؟ هل نصنع معايير للدارجة من جديد؟ ولماذا يعنى به فقط من بين المقترحات المائتين؟ ثم ألا يعد هذا نوعا من جس للنبض نسكت عنه، ثم ننام ثم نستيقظ فنجد أنفسنا أمام الأمر الواقع، ونجد أنفسنا أمام لغة جديدة للتعليم والتربية هي اللغة الدارجة خلافا للعربية الراقية التي حاربها الاستعمار، وجند لها مفكريه من قبل، والآن تتعرض لمحاولة التضييق عليها بكل الوسائل من قبل أذنابه بعد الاستقلال، عوضا عن أن ينهضوا بها إلى مستواها الذي يليق بها.
يجب أن نأخذ العبرة من فرنسا الاستعمارية، يجب أن نعامل لغتنا التي هي عنوان شخصيتنا الوطنية مثلما تعامل فرنسا لغتها الوطنية. فلنستحضر قول أحد المسؤولين الفرنسيين الذي طلب منه تعليم اللهجات الدارجة في فرنسا فقال أتريدون بلقنة فرنسا؟
يحزننا كثيرا أن نرى الفرنكفونيين في الجزائر يتبنون مقولات وأطروحات الاستعمار الفرنسي، بعدما يزيد عن خمسين سنة من الاستقلال ويريدون تطبيقها على أبنائنا الأبرياء ويتعصبون للغة المستعمر.
لقد ألحق هؤلاء الضرر باللغتين فلا هم حافظوا على مستوى الفرنسية وعلى استعمالها الراقي كلغة أجنبية في الجزائر، ولا هم سمحوا للعربية أن تسترجع مكانها الطبيعي في بلدها، ولكن أعمى بصيرتهم التعصب والمزايا فراحوا يتوّهمون أن العربية تقضي على مزاياهم، ومن ثم فلابد من الكد والعمل والدفع نحو الكريول الذي هو هدف في أجندة غيرنا لنصبح مثل المستعمرات الأخرى التي تتخذ الفرنسية لغة رسمية إلى جانب الكريول الذي هو خليط ويعني شيئا.
ونحن أمام هذا الوضع المفتعل لا نملك إلا أن نتوجه للمسؤولين في البلد فنقول لهم عليكم أن تعملوا على تدارك هذا الأمر الخطير الذي يعني مستقبل الأجيال القادمة، وأن تسارعوا إلى تفعيل المؤسسات المخولة شرعا لتناول موضوع التربية بالنقاش الجاد الذي يراعي خصوصية المجتمع الجزائري وشخصيته العربية الإسلامية التي وردت في جميع مواثيق الحركة الوطنية على جميع أطيافها بعيدا عن كل إيديولوجية دخيلة وبعيدا عن الصراعات والحسابات الضيقة، وأن لا يترك أمر التربية الوطنية في يد جماعة لا ندري ماذا تريد أن تصنع بمستقبل الجيل المقبل.
*مفتش متقاعد