كيف واجه ماكرون صعود التحالف الجزائري الألماني؟
إن المأزق الفرنسي الذي تجسد بوضوح في الارتباك الذي وقع أثناء زيارة الدولة التاريخية للرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين، والتي دفعت بالرئيس إيمانويل ماكرون، إلى التوجه عاجلا وتحت جنح الظلام، إلى كولونيا وليس العاصمة برلين، للقاء المستشار الألماني. هذا المشهد يوضح التناقض الصارخ في السياسة الفرنسية؛ من جهة خطاب علني هجومي موجه للاستهلاك الداخلي، لاستجداء أصوات اليمين واليمين المتطرف، مقابل تحركات ليلية عاجلة تستنجد بالثقل الألماني للخروج من مأزق العزلة التي فرضتها الندية والبراغماتية الجزائرية الجديدة على فرنسا.
تكشف التطورات الدبلوماسية الأخيرة في الفضاء الأوروبي والمغاربي والساحل، عن أزمة عميقة في إدارة السياسة الخارجية الفرنسية، إذ يبرز تناقض صارخ بين الاستعراض الإعلامي والواقع الاستراتيجي، ففي الوقت الذي تتبنى فيه باريس خطابا علنيا هجوميا، يتسم بنبرة التهديد والوعيد تجاه الجزائر، مدفوعة بحسابات سياسية ضيقة لاستجداء لأصوات التيارات اليمينية واليمينية المتطرفة في الداخل، تصطدم هذه المقاربة بجدار العزلة بفعل الدبلوماسية الجزائرية الجديدة القائمة على الندّية والبراغماتية والشراكات المتنوعة.
وقد شكَّلت زيارة الدولة التاريخية التي قام بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، زلزالا حقيقيا، ضرب أروقة قصر الإليزي، وأحدثت ارتباكا غير مسبوق في حسابات الدبلوماسية الفرنسية، فالزيارة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل كانت إعلانا عن ولادة “تحالف استراتيجي وطاقوي قطبي” بين برلين والجزائر؛ إذ وُقِّعت اتفاقيات ضخمة ترسم مستقبل الطاقة في أوروبا من خلال “ممر الهيدروجين الأخضر الجنوبي” والغاز الطبيعي والمميع، مما جعل ألمانيا تضع ثقلها كاملا مع الشريك الجزائري الموثوق. هذا الصعود الألماني المدوي في منطقة تعتبرها باريس تاريخيا عمقا حيويا لها، والترحيب الرسمي الحار بالرئيس الجزائري، أسقط من يد الرئاسة الفرنسية أوراق الضغط التي ظنت لسنوات تحتكرها.
هذه الصدمة الإستراتيجية هي التي تفسر التحرك الفرنسي العاجل والمليء بالارتباك، إذ اضطر الرئيس ماكرون إلى الانتقال على عجل وعقد اجتماع مسائي وراء الكواليس مع المستشار الألماني في كولونيا في اليوم ذاته الذي احتضنت فيه برلين القمة الجزائرية الألمانية؛ في محاولة مستميتة لمعرفة ما دار في الغرف المغلقة، ومحاولة استقراء حجم التحول الذي سيهمِّش النفوذ الفرنسي بالكامل في المنطقة المغاربية والساحل.
فهل في هذا اللقاء قام المستشار الألماني بإعطاء أسرار اللقاء لماكرون؟ أم اكتفى بالرد لغرض التوسط لتسوية العلاقات الجزائرية الفرنسية المتأزمة بفعل التهديدات الفرنسية المتكررة علنا؟ الواقع الدبلوماسي يقول:
- صيانة الأسرار ورفض الإملاءات الفرنسية: إن ألمانيا تتعامل بعقلية “الدولة المؤسساتية والبراغماتية” التي تبحث عن أمنها القومي والطاقوي. والمستشار الألماني لا يقدم “تقارير” أو “أسرارا” مجانية لباريس؛ فالألمان يعلمون أن مصداقيتهم كشريك استراتيجي جديد وموثوق للجزائر تعتمد على كتمان المباحثات الثنائية وعدم التضحية بها لإرضاء حسابات ماكرون السياسية الضيقة.
- الرد الألماني.. التركيز على الوساطة وتهدئة التوتر: إن حقيقة الموقف الألماني في هذا اللقاء الليلي لم تكن نقل أسرار، بل تمحورت حول مخاطبة فرنسا بلغة الواقع، إذ تشير التحاليل الدبلوماسية إلى أن ألمانيا أوضحت لفرنسا أن أسلوب التصعيد، والاستعلاء، والتهديدات العلنية والمستمرة التي يطلقها وزراء وساسة فرنسيون مثل رئيس الوزراء السابق فرانسوا بايرو ووزير الداخلية السابق برونو ريتيلو وآخرون بالأمس واليوم لمعاقبة الجزائر، هو أسلوبٌ عقيم أدى بفرنسا إلى جدار مسدود وعزلها دبلوماسيا.
- طرح ألمانيا كغطاء أو وسيط بطلب فرنسي: أمام الانسداد الكامل للقنوات المباشرة بين الجزائر وباريس، جاء التدخل الألماني كمحاولة لتخفيف الاحتقان بطلب وضغط فرنسي. ألمانيا حاولت في لقاء كولونيا إفهام ماكرون أن استقرار شمال إفريقيا وأمن الطاقة الأوروبي يتطلبان التخلي عن لغة الوعيد، وبأن برلين قد تؤدّي دور الوسيط لنقل الرسائل أو تقريب وجهات النظر، لكن دون أن يكون ذلك على حساب الاتفاقيات الإستراتيجية التي أبرمتها ألمانيا لتوِّها مع الجزائر.
وقد شكَّل المؤتمر الصِّحافي للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في برلين محطة بارزة أظهرت عقيدة الدبلوماسية الجزائرية الجديدة القائمة على السيادة والندية المطلقة، وتحديدا عندما حاولت الدوائر الإعلامية والسياسية الفرنسية استغلال المنبر الألماني لفتح ملف الصحافي المحبوس “ستيفان غليز” والضغط من أجل الحصول على عفو أو التزام سياسي خارج الأطر القانونية.
هنا، جاء رد الرئيس تبون حاسما ومزلزلا ليغلق هذا الباب بالكامل؛ إذ أكد بصرامة وثقة أن القضية بيد العدالة الجزائرية صاحبة الاختصاص والسيادة، مشددا على رفضه القاطع لمناقشة شؤون الجزائر الداخلية ومؤسساتها القضائية خارج حدود الوطن. هذا الموقفُ السيادي الصارم لم يُفشل فقط محاولات الالتفاف والضغط الفرنسي عبر الأراضي الألمانية، بل تحوَّل إلى صفعة سياسية ودبلوماسية قوية لباريس، ليعود السلوك الفرنسي بالخيبة، ويعمِّق مأزق الإليزي ورئيسه إيمانويل ماكرون الذي كان يترقب من كولونيا أي هامش للمناورة، فجاء الردُّ الجزائري ليعيد ترتيب قواعد التعامل مع القوى الدولية على أسس الاحترام الكامل للسيادة الوطنية والعدالة الجزائرية.
كما تدرك ألمانيا جيدا كيفية حماية مصالحها العليا، إذ تضع أمنها الطاقوي فوق كل اعتبار سياسي أو تحالفات تقليدية، خاصة في ظل أزمة الطاقة الحادة التي تواجهها اليوم. وتزداد هذه الحاجة الألمانية إلحاحًا بعد أن أنهت برلين تفكيك آخر مفاعلاتها النووية التي كانت تعتمد عليها لتوليد الكهرباء، مُتخذةً مسارا مغايرا تماما لجارتها فرنسا، التي تراجعت مؤخرا عن خطط تفكيك مفاعلاتها القديمة والآيلة للانهيار رغم مخاطرها الفنية والزمنية.
وفي ظل هذا التباين الاستراتيجي، لن تفرِّط الدبلوماسية الألمانية في علاقاتها الاقتصادية الحيوية، ولن تكون مستعدة للتضحية بفرصها في تأمين النفط والغاز الطبيعي والمسال، فضلا عن مشاريع الهيدروجين الأخضر المستقبلية، فالجزائر تمثل اليوم الشريك الطاقوي الأول والأكثر موثوقية لبرلين، مستندة في ذلك إلى موقعها الجغرافي القريب وأسعارها التنافسية الاندماجية، مما يجعل التقارب الأخير مع الجزائر خطوة عقلانية لحماية الاقتصاد الألماني، بعيدا عن حسابات الإليزي المربكة أو الضغوط الخارجية.
ويأتي هذا المشهد ليتوج سنوات من التخبط الدبلوماسي والسياسي الذي طبع عهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يمر اليوم في عامه الرئاسي الأخير وسط عزلة خانقة ومآزق لا تتوقف على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ ففي الداخل الفرنسي، يواجه ماكرون حصارا سياسيا غير مسبوق بعد أن انقلبت ضده كل الأطياف السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بل إن التصدع وصل إلى عمق بيته السياسي، إذ بات حزبه الذي أسَّسه والعديدُ من قادته المقربين -وفي مقدمتهم وزيره الأول السابق غابرييل أتال- يعملون في العلن ضد توجيهاته وضد إرثه السياسي، لتتأكد المقولة بأنه رئيسٌ جاء من الفراغ الحزبي وسيغادر السلطة إلى الفراغ ذاته.
ولم تكن اللوحة الخارجية بأقل قتامة؛ إذ تعيش فرنسا في عهده تراجعا حادا في مكانتها الأوروبية والدولية؛ ففي الوقت الذي حاولت فيه باريس قيادة القارة العجوز، أدارت العواصمُ الأوروبية ظهرها للصناعات العسكرية الفرنسية، وفضلت جلُّ دول الاتحاد شراء السلاح والمعدات الأمريكية على حساب البديل الفرنسي، بالتزامن مع الانهيار المدوِّي للنفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية ومنطقة الساحل تحديدا، حيث طُردت الجيوش الفرنسية بشكل مهين، ولم يتبقَ لباريس موطئ قدم عسكري استراتيجي حقيقي سوى قاعدة جيبوتي أو عبر ارتمائها في أحضان حليفها التقليدي بالمملكة المغربية.
كما تؤكد الشواهد التاريخية ومسارات السياسة الخارجية للجمهورية الفرنسية الخامسة أن الوصول إلى قصر الإليزي يظل دائما رهين حسابات جيوسياسية معقدة تمثل الجزائر محورها الأساسي، إلى الحد الذي يجعل من التزكية والقبول السياسي من طرف الجزائر شرطا غير معلن، لكنه حاسم، لكل من يطمح في قيادة فرنسا.
ومنذ تأسيس الجمهورية الخامسة على يد الجنرال شارل ديغول، الذي صاغ دستوره الجديد عام 1958، وعاد للحكم تحت وطأة الثورة التحريرية، وصولا إلى الرؤساء المتعاقبين، كان “الملف الجزائري” بمثابة بوابة العبور أو المقصلة السياسية للطامحين في الرئاسة؛ والتاريخ الحديث يشهد أن إيمانويل ماكرون، لولا زيارته الشهيرة إلى الجزائر عام 2017 وتصريحاته التي خطب بها ودَّ الساحة السياسية والتاريخية هناك، لما استطاع بناء الشرعية الدولية والزخم الذي دفعه إلى سدة الحكم معلنا ولادته من رحم الفراغ. وبناءً على هذه الحتمية التاريخية والجغرافية، فإن الرئيس المقبل لفرنسا لن يشذ عن هذه القاعدة؛ إذ سيجد نفسه مجبرا على السعي لنيل التزكية والقبول من الجزائر كخطوة لا غنى عنها لترتيب أوراقه في الداخل والخارج، وكمفتاح أساسي لاستقرار سياسة فرنسا الإقليمية.
لن تفرِّط الدبلوماسية الألمانية في علاقاتها الاقتصادية الحيوية، ولن تكون مستعدة للتضحية بفرصها في تأمين النفط والغاز الطبيعي والمسال، فضلا عن مشاريع الهيدروجين الأخضر المستقبلية، فالجزائر تمثل اليوم الشريك الطاقوي الأول والأكثر موثوقية لبرلين، مستندة في ذلك إلى موقعها الجغرافي القريب وأسعارها التنافسية الاندماجية، مما يجعل التقارب الأخير مع الجزائر خطوة عقلانية لحماية الاقتصاد الألماني، بعيدا عن حسابات الإليزي المربكة.