الرأي

كيف يكون الاستثمار في التّعليم ناجحا؟

لمباركية نوّار
  • 441
  • 0

طوِيت أوراق موضوع: الاستثمار في التعليم، وأصبحت في عداد  القضايا المنتهية. ولم تصبح مناقشتها مبسوطة على أساس مدخلي القبول أو الرفض. ولم نعد نجد لها معارضين يقابلونها بالإعراض والإنكار، ويديرون لها الظهور رفضا للخوض فيها. وإن كثيرا من الأمم التي أقنعتها التجارب الناجحة وألهمتها المعاينات الصواب قد سارت فيه سيرا عمليا مطمئنا، ولم يشغلها عنها شاغل، أو يلهيها لاهٍ يبعدها عنها. وإنما راحت تلاحقه بفرط يقين وكثافة انضباط وصدق عزم.

بفضل حسن الاستثمار في ميدان التعليم، تمكنت دول عديدة في كل قارات العالم، وعبر حقب الزمن المتوالية، من مغادرة دائرة التّخلف بعد أن حطّمت أغلال التكبيل الثقيلة من أرجلها، ورمت بها أرضا. ونهضت تستجمع قواها وتراكمها عن معرفة وبصيرة وتيقن. وجعلت المدرسة همَّها الأول الذي لا يسبقه أي همّ.

يتوهّم المدَّعون عن جهل أن الاستثمار في التعليم غير مجد، ولا يأتي بالنّفع والربح، ولا يجلب نجاحا أو تقدما. ويرون أن الأموال الباهظة التي تصرف في هذا القطاع تطحن كعصف مأكول، وتذهب أدراج الرياح هباءً منثورا. ويزعمون أن هذا المسعى يفتقد إلى عائدات تُلقي بظلال الازدهار والسعادة على أبناء المجتمع في يومه القريب أو في غده البعيد. وأن كل دينار تلقي به الأيادي في المدرسة لا تعرف له رجعة كثيرة أو قليلة، وأن الفعل أشبه بمياه الأمطار التي تلقي بها الوديان لما تسيل في عرض البحار والمحيطات، فتحرم الأراضي والحقول من الارتواء منها. وينسون أن الاستثمار في التعليم يعني بناء الإنسان الصالح والمواطن الناجح، ويعزّز قدراته، ويرفع  كفاءاته ويقوّي همّته، وسنوّر عقله بنور العلم وأفضال التقنية بما يؤهله لمواجهة تحديات المستقبل باقتدار واعتداد. وأن الإنسان هو بؤرة وركيزة كل تنمية في القطاعات الأخرى في عالم سريع التحوّل والتبدّل ينام على فكرة ويستفيق على فكرة أخرى تغايرها.

أمسى الاستثمار في التعليم مطلبا ملحّا لا يمكن التّخلي عنه أو التفريط فيه في عصر تكاثرت فيه التحديات والاهتزازات. ولقد أثبتت التجارب الاجتماعية في الشرق والغرب، ومنذ أزمنة بعيدة، أن هذا الصنف من الاستثمار هو سيد الاستثمارات ومحرّكها، وهو أساس كل تنمية رائدة وشاملة في عيون القادة والمسؤولين. وإذا كان الاستثمار في الحقول يغذي البطون، فإن الاستثمار في التعليم يغذي العقول والقلوب التي لولاها لما تحققت النجاحات في مختلف الميادين الحياتية الأخرى.

يحسّن الاستثمار في التعليم لمّا يكون مدروسا ومبنيا على قواعد علمية سليمة من قدرات المستفيدين منهم، ويرفع من خبراتهم وينضجها. ولما تواتيهم الفرص ينطلقون نحو العمل الخلَّاق المدعم بالجديد المبتكر، والمطعَّم بالإنتاج الوفير. وتقر الملاحظات والمتابعات أن الدّول التي تمتلك تصميما قويا للاستثمار في التعليم تجلب لها رياح عوائده فوائد مالية عالية وثمارا نوعية هائلة تساهم في تعزيز الدخل الفردي وترقيته مما يمهّد السبيل إلى تحقيق السعادة المجتمعية على آماد طويلة. وتقلُّ فيها المشكلات المنهِكة كالجرائم والانحرافات التي تعدّ حجارة عثرة تنتصب في طريق تقدّمها وازدهارها، والتي كثيرا ما تصيب زبدة المجتمع وهي الفئة الشبانية بجنسيها الذكري والأنثوي؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، وجدت دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن كلّ دولار يجري استثماره في التعليم الابتدائي يُحقق عائدًا اقتصاديًّا قدره سبعة دولارات.

منذ أيام، نزل بين يدي مقال أحسبه ذا قيمة، طرح فيه كاتبه سؤالا جدليا مقلقا مغزاه: (لمن تكون الأسبقية: للتنمية أم للديمقراطية؟). وذكر أن مشروعية هذا السؤال جعلته إشكالية متداولة لمدة نصف قرن بعد أن استولى على تفكير العديد من الكتّاب والمفكرين والباحثين الاجتماعيين والساسة والقادة والزعماء. وبعد سطور من الشرح والتوضيح اهتدى صاحبه إلى القول: (ربما لم تكن مقولة التنمية قبل الديمقراطية فكرة عبثية، بقدر ما كانت استجابة لتحديات واقعية وحقيقية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وخاصة في شرق آسيا، إذ بدأت فكرة التنمية قبل الديمقراطية تتجذر في الواقع السياسي والاجتماعي هناك مبكرا، وخاصة مع تجربة الزعماء الآسيويين الثلاثة، السنغافوري ليكوانيو، والماليزي مهاتير محمد، وكذلك قبلهما الزعيم الكوري الجنوبي بارك تشونغ هي الذي كان يرى كسابقَيه أن التنمية والإصلاحات الاقتصادية يجب أن تسبق أي حديث عن الديمقراطية).

ويواصل قائلا: (التجرِبة السنغافورية تعلِّمنا أن الاستثمار في التعليم هو البديل الأوحد للتنمية الشاملة والمستدامة عندما تتضاءل الموارد المادية والمالية، بل إنّ هذه الأخيرة ستفقد فاعليتها في حال انعدام نظرة تعليمية متطوِّرة وقادرة على ترسيخ الوعي المجتمعي، ورفع مستوى التمدن والتحضر، وقادرة على تحويل الموارد والثروات إلى منجزات حضارية شاهدة على عبقرية الإنسان).

ولما كان الاستدمار الفرنسي للجزائر استدمارا استيطانيا متوحشا وموغلا في الإساءة والأذى والتنكيل، فقد بدأ منذ الوهلة الأولى من تدنيسه لأرضنا في القضاء على كل فضاءات التعليم وتعطيل النشاطات في المساجد والمدارس والزوايا والكتاتيب القرآنية، وغلق دور العلم؛ لأنه أدرك أن استمرارها في الاشتغال، ورغم تواضع مخرجاتها، سيلهب الوعي في عقول مرتاديها لمقاومته عاجلا أو آجلا. وهو الأسلوب ذاته الذي يتبعه الكيان الصهيوني، اليوم، في عمليات تدميره لغزة منذ عامين كاملين حتى جعل الإبادة البشرية النكراء والإبادة التعليمية صنوين مرتبطين معا؛ لأنه يعلم أن الشعب المتعلّم هو شعبٌ لا يمكن استعباده وإذلاله طول الوقت.

بفضل حسن الاستثمار في ميدان التعليم، تمكنت دول عديدة في كل قارات العالم، وعبر حقب الزمن المتوالية، من مغادرة دائرة التّخلف بعد أن حطّمت أغلال التكبيل الثقيلة من أرجلها، ورمت بها أرضا. ونهضت تستجمع قواها وتراكمها عن معرفة وبصيرة وتيقن. وجعلت المدرسة همَّها الأول الذي لا يسبقه أي همّ.

لم  ينطل مكر الاستعمار الفرنسي على أبناء الجزائر من النخبة القليلة الذين تفطَّنوا لخبثه على امتداد سنوات المقاومة السياسية التي أعقبت فترة المقاومات الشعبية. وانطلقت الحركة الإصلاحية في شمال الوطن كما في جنوبه والحركة الوطنية عامة في بناء المدارس ونشر التعليم في المدن والقرى في كل الربوع رغم شحِّ الموارد وهزال معينها. وقد خرّجت هذه المدارس الرجال الأشاوس الأشدَّاء الذين حملوا ألوية الجهاد بعد أن توهّم المستعمر الظلوم أن بسط يديه الملوَّثتين على أرض الجزائر قد اكتمل، ولن تنقبضا.

من مفاخر الجزائر التي تُغيظ الحاقدين والمتربصين هو أن ثلث سكانها يجلسون على مقاعد التعليم في كل مستوياته بفضل الأسس التي قامت عليها الحركة التعليمية منذ استرجاع الاستقلال الوطني، والمتمثلة في إلزامية التعليم وإجباريته ومجانيته في كل المراحل مع وجود محفّزات أخرى كالإطعام والنقل والرعاية الصحية والمساعدات المادية للطبقة المعوزة التي تقدَّم لها في مطلع كل موسم دراسي وتوزيع الكتب المدرسية على التلاميذ المحتاجين وجعل أثمانها رمزية أمام من يشترونها رغم التكاليف الباهظة في إعدادها نظرا لجودة طباعتها وروعة إخراجها. ولئن كانت هذه بعض المزايا العظيمة التي تمنح صورة ناصعة عن الاستثمار في تعليمنا، إلا أن هناك جوانب ينبغي ملاحقتها بالمحاربة والتصويب حتى ترتفع نوعية مردوده إلى المستوى الرفيع المأمول.

تشكو مدرستنا من تضييق يخنق أنفاسها ويبطئ حركتها، وتتحدد هذه المعيقات أساسا في الدروس اللصوصية التي تعدُّ من أكبر الخوارم النكراء والمُفسدات القبيحة المذمومة مما يستلزم سنّ سيف الحجاج لمحاربتها وقطع دابرها واستئصال شأفتها ولو بالكيّ والبتر من دون تخدير إذا تحتَّم الأمر حتى نتخلص من شرورها التي نتجت عنها أوبئة لم تكن معروفة من قبل في مدارسنا كما فعلت الكثير من الدول التي يكسب تعليمها الإعجاب وينال التقدير. ولا يقل النشاط النقابي المسموم ذما وقدحا من الوباء السابق، لأنه زرع الفتن والتفرقة بين المعلمين والأساتذة، وشتت جموعهم، وتسبَّب في بروز أمراض الأنانية والصراع والخصومات والمشادات، وحطم قيّم التعاون والتكامل التي تعود بالفائدة على تكوين المتعلمين وتهيئتهم.

يحتاج الاستثمار في التعليم إلى إطارات تتصف بمواصفة الكفاءة العليا. ومثلما يتطلب مسؤولين مؤهلين علميا وتربويا وبيداغوجيا في كل المستويات، ومن القمة إلى القاعدة، ومدركين أن التنمية الناجمة عن الاستثمار في التعليم لا يمكن أن تأتي ثمارها إلا في وجود مدرسة ذات صيت وتأثير، فإنه لا يجوز أن ننسى بأن الرعاية التكوينية المثلى والمستمرة للمفتشين التربويين وللأساتذة والمعلمين هي دعامة كبرى وسند قوي. وأن الانتقاء وفق معايير صارمة لكل من يرغب الانتساب إلى التعليم أو الارتقاء في مناصبه هو صمام الأمان الأول.

إن العنصر البشري هو المحرّك الأساسي لقاطرة الاستثمار في التعليم، وهو بنزينُها الوقاد. وعلى منواله تأتي النتائج حُسنا أو قبحا، عسلا أو حنظلا.

مقالات ذات صلة