كيف يُصوِّرنا إعلامهم؟
الأمريكيون يعيشون بين سجّانين: جمهوري وديموقراطي، أي بين إقطاعيين، يتخذانهم مطية لأهوائهما السياسية. وفي كلا الحالين هم ضحايا ويحتاجون إلى من ينقذهم. وأشير على الأمريكان بالالتجاء إلى رب العباد، وقراءة خطابه الأخير للإنسانية، ففيه كل ما يحتاجونه، وفيه نجاتهم من هذا البلاء المستمر في دنياهم وبعد مماتهم. فليقرؤوه أولا!
النفط نعمة وليس نقمة، وهو يتطلب شكرها لتستمر وتزيد، ومن هنا نستحضر واجب العبودية لله مع الإعداد المادي الذي ذكره الله في محكم تنزيله، لأنه بذلك تكتمل أسوار الحماية الحقيقية لمجتمعاتنا المسلمة، التي تزن اقتصادها السياسي بالميزان الإسلامي فحسب.
الديزل الروسي لا يحل المشكلة العالمية طويلا، لأسباب تتعلق بأوراق الضغط عند كل طرف والطاقة من أهمها. وخاصة لما يتقدم الديمقراطيون في الانتخابات النصفية القادمة وتستمر الحرب في المضايق. ثم إن الساسة يضحكون على العالم، يقودونه إلى صراع مهلِك ثم يتوافقون في ما بينهم حينما يتحسسون الأخطار على عروشهم، يا لها من فضيحة! يبقى عامل خفي، قد يديم أزمة الطاقة التي أفسدت الحياة على الأرض، فهل سيقبل رب الطبيعة أن يستمر الفساد في الأرض؟
هل جون مسيحة فرنسيٌّ أصيل من الغاليين؟ وكيف به يتحدث عن فرنسيين أصلاء اعتنقوا الإسلام وكأنهم دخلاء مثله؟ إنه لا يفهم منطق الهجرات والحضارات، ولا أظنه سيدافع عن الهنود الحمر السكان الأصليين للأمريكيتين. ثم إنه يدق على وتر خفي هو التخويف من الإسلام وانتشاره الواسع في أوروبا ثم يتظاهر بأنه يدافع عن الإسلام، أي كمن يدس السم في العسل، يا لها من طبعة إماراتية بامتياز!
قيام الدول والحضارات وسقوطها حتمية قدرية لا مفر منها، ولا يمكننا إثبات فشل دولة بانتهاء عمرها الافتراضي أو إثبات نجاعة أخرى وشمعتها لا تزال مشتعلة يأكل بعضها بعضا.
كما أن هنالك حقيقة أخرى، مفادها أن ما يصلح للمضطهدين في الغرب اليوم قد لا يكون هو النموذج العثماني الذي انبنى على رؤية إسلامية تعتمد العصبة التركية، وهو مستبعد حدوثه في فرنسا والغرب عموما، ولعل ذلك يتيح لمن يحمل الثقافة الإسلامية المشاركة بالسوية مع غيره في إدارة الحياة في هذا المكان المتغير من العالم، كما لو كان نموذجا أمريكيا جديدا، يقوم على الهجرة والتعدد العرقي والثقافي. ويبقى الأفضل للبشرية جمعاء أن تنصت إلى خطاب الله في القرآن الكريم، ففيه حل جذري لأدوائها المزمنة.
كل هذه القنابل المجنونة وليس مستخدموها بإرهابيين؟ بئس النفاق السياسي في هذا العالم المنكوب! ويبدو أن الشعب الأمريكي هو من سيتولى معاقبة رئيسه الذي اختاره مرتين لا ثالثة لهما. وهو الشعب نفسه الذي سيدفع بـ”معتدلي” الساسة الأمريكيين إلى قيادته حتى ينضج العقل السياسي الأمريكي ويستوعب بأن العالم قد تغير، وأن دعمه غير المحدود للكيان الصهيوني سيكلفه ضريبة غير محدودة بعدما استفاقت الأمة على ما لديها من حقوق مسلوبة، استفاقة لن ترقد من بعدها في سبات حتى تتحكم في كل ما آتاها الله من مؤهلات. الصبايا الأذريات يُحيين ضمير الأمة بدموعهن وإصرارهن على الحجاب وهن أمام المدارس ثابتات، فكيف بنشامى الأمة حول فلسطين المحتلة؟!
هنالك حلقة مفقودة في الدعاية الغربية لمنجزاتها “الحضارية”، تتعلق بمدى وعي العقل الألماني بمصلحته الحقيقية، فإذا كان مشروع القطار المغناطيسي السريع قد فتن الألمان في زمانه ثم توقف نهائيا بعد ذلك، فهل سيثق العالم باختراعات ألمانية قادمة؟ علما بأن فخر الصناعة الألمانية وهي السيارة -التي تسير بالطاقة الأحفورية- تكاد حقبتها تنتهي نظرا لمضارها الجسيمة على المناخ، فكيف بما هو آت من منتجات؟ ثم هل تحتاج الإنسانية إلى كل هذه الطفرات الصناعية، إذا ما أرادت أن تعيش عيشا متوازنا بسلام، في ظل العبودية لله والتحرر من نزق الرأسمالية؟
لا بد للصحافة من أن تحلل ما ترى لا أن تصف فحسب، فما هي الأسباب الحقيقية وراء هذه الاضطرابات التي تدور رحاها في فرنسا وما جاورها يا ترى؟ والتي لا تبالي بـ”الإجراءات الأمنية”، هذا التعبير الذي درج عليه الإعلام في الجزائر؟ ثم كيف تنأى عنها دولٌ مجاورة لفرنسا تعاني من تدني القدرة الشرائية وعدم التوزيع العادل للثروة؟
النظامُ الاقتصادي القائم على الفائدة الربوية قد يستمر فترة من الزمن ولكنه سيتوقف لا محالة، ولا تملك فرنسا ولا غيرُها إمكانية الوقاية من شره وشر اليهود الذين يقودونه في العالم ما دامت تتبعه ولا تبحث عن بديل عنه، رغم أنها أدخلت الاقتصاد الإسلامي في مناهج جامعاتها بعد أزمة الرهن العقاري التي نجت منها المصارف الإسلامية. وليس معنى أن تعترف هي بنجاعة هذا الاقتصاد أنها اعترفت بصلاحية الإسلام للحياة، وهي التي حاربته طويلا، إلا إذا كان قادتها مثل جورجيوس قائد الروم الذي حاور خالد بن الوليد ثم فكّر فأسلم فنجا.
هنالك علاجاتٌ مسكِّنة تؤجل الانهيار المؤكد مدة أخرى، لو أن فرنسا تتخذها. منها التخلص من أصول مكتسَبة بطريقة غير شرعية، كبعض الأراضي من وراء البحار، بيعا للغير أو تخليا لأهلها لقاء تقاسم الخصوم معها. كما يمكنها بيع مرافق حيوية سياحية أو خدمية، أو بيع تقنيات متطورة عسكرية أو علمية، أو الدخول في حروب الآخرين لقاء مال كما فعل “ترامب” مع دول الخليج قبل حربه على إيران، أو التنازل عن مقاطعات على الحدود لصالح دول مجاورة… وخير لها من ذلك كله، أن تسلم أمرها لله، وتتعلم من الذكر الحكيم وتعاليم النبي الكريم طريقة العيش الآمنة، والتي تعتمد على الاقتصاد في العيش والادخار والإنفاق في سبيل الله.
تصوير هذا الصراع المحتدم في فرنسا وغيرها خلال هذه المرحلة بهذه الطريقة تجافٍ عن الحقيقة. علما بأن قناة “دي دابليو” تقارب بحد مقبول من الموضوعية قضايا المناخ والبيئة بل وقضايا الهجرة إلى ألمانيا كذلك، ولكنها تفتقد للنظرة ذاتها في قضايا الإنسان خارج هذا البلد، فحبذا لو أنها تتحرر من التسطيح والانحياز في مثل هذه المواضيع.
“ترامب” رئيس ذو أصول ألمانية مهاجرة، فما الذي يدفعه إلى حرق المراكب التي أقلّته؟ ولماذا لا يقول للعالم كيف انتشرت الديانة الإنجيلية واللغة الإنجليزية في بلاد الهنود الحمر؟ ولو أنه كان متناسقا مع ذاته لترك هذا التصريح العنصري للهنود الحمر، الذين لا نسمع لهم حسًّا.
ثم إن تقسيم المتظاهرين إلى فرنسيين ومهاجرين -ووسمهم بالعصابات- مغالطة للرأي العامّ الذي يتابع ويعرف عن كثب ما الذي يحدث؛ فإذا كان كثيرٌ من المتظاهرين ذوي أصول عربية -وكثير آخرون فرنسيون أصالة- فإنهم أصبحوا فرنسيين بحكم القانون الفرنسي، إما بالزواج المختلط، أو بالمولد، أو بالإقامة… علما بأن أجداد هؤلاء ساهموا في تحرير فرنسا من النازية وعمَّروا هذه البلاد بأيديهم العاملة. ورفعُ المتظاهرين أعلام دول أخرى لا يعني شيئا أمام مطالبهم، فقد حُمل علم الكيان الصهيوني في مسيرات جابت المدن الفرنسية في مناسبات مختلفة ولم نسمع للإعلام المتصهين كلمة في هذا الأمر.
ثم هنالك أمرٌ مهم لا يلتفت إليه الناس، هنالك أيد خفية تختلط بالمتظاهرين وتسيء إليهم بأمور كثيرة، وقد شهدت بأم عيني في إحدى زياراتي لفرنسا شابا أشقر السحنة، يلبس قميصا خليجيا ويرتاد جمعية تعنى بالثقافات المتنوعة، كان في قاعة مكتظة شبه مستلق بينهم، ولما سألت مسؤولا في الجمعية عن هذا “العربي” كيف به يتصرف هكذا؟ أجابني ذلك المسؤول بأن هذا الشاب ليس عربيا، بل هو يهودي، يتعمَّد لبس القميص والتصرف بكل ما يسيء لما يحمله هذا اللباس من ثقافة.
وبالعودة إلى أزمة فرنسا، فليس كل أهلها عنصريين، هناك في اليسار من هو متفهم للتنوع الثقافي وتعدد الأصول في المجتمع الفرنسي المعاصر ويتعامل بتقدمية مع الموضوع، وهنالك من هو عنصري ونازي التفكير، وفي الأخير لن يصح إلا الصحيح. تقسيم المتظاهرين إلى فرنسيين ومهاجرين -ووسمهم بالعصابات- مغالطة للرأي العامّ الذي يتابع ويعرف عن كثب ما الذي يحدث؛ فإذا كان كثيرٌ من المتظاهرين ذوي أصول عربية -وكثير آخرون فرنسيون أصالة- فإنهم أصبحوا فرنسيين بحكم القانون الفرنسي، إما بالزواج المختلط، أو بالمولد، أو بالإقامة… علما بأن أجداد هؤلاء ساهموا في تحرير فرنسا من النازية وعمَّروا هذه البلاد بأيديهم العاملة.