الرأي

“كَلاَّ إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى”

سلطان بركاني
  • 1296
  • 0

لا يكاد يوجد إنسان في دنيا البشر إلا وهو يمقت الطّغيان وينفيه عن نفسه ويستشنعه في غيره، لكنّنا إذا عدنا إلى القرآن فإنّنا نجد أنّ الخالق –سبحانه- وصف به “الإنسان” بهذا الإطلاق في أوّل سورة نزلت من القرآن الكريم، فقال جلّ شأنه: ((كَلاَّ إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى))، ولعلّ في هذا إشارة إلى أنّ النّفس البشرية تميل إلى الطّغيان والتمرّد كلّما أحسّ صاحبها بأنّه يستغني عن الخالق وعن الخلق.. وإن كان الطّغيان ليس دركا واحدا وتختلف حدّته وشدّته من إنسان إلى آخر، إلا أنّه لا تكاد تخلو منه نفس إلا ما عصم الله.

قد يمتلئ جوف الإنسان كبرا وهو يرى أنّه ليس متكبّرا؛ وقد يكون متواضعا أمام الخلق، لكنّه يتكبّر على الحقّ، وتستثقل نفسه كثيرا من شرائع الدّين وشعائره، لأنّه يرى أنّها تحول بينه وبين الاستمتاع بوقته وممارسة حريته في اللّباس والأكل والشّرب والاستمتاع بشتى صنوف الملاذّ، فيتمرّد على بعض الشّرائع ويتنكّر لبعض الشّعائر في وقت السّعة، لكنّه إذا ألمّت به ضائقة ولم يجد له منها مخرجا، ذبلت نبتة الكبر والطّغيان في نفسه، وعاد يتذلّل لخالقه ويتصالح مع دينه، فإذا ما زال عنه البلاء، عاد إلى ما كان عليه من الغفلة والإعراض، ((وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيض)) (فصّلت، 51).. تجد المرأة المسلمة تتساهل في أمر الحجاب، وتخضع للذّوق والهوى في اختيار لونه وشكله وطوله وعرضه، وتتفنّن في وضع الخمار على رأسها، ولا تتردّد في التعطّر ووضع الأصبغة على وجهها، وكلّما ذُكّرت بحكم الشّرع فيما تفعل، أبدت تذمّرها وخاطبت من ينصحها باستعلاء، وربّما ترفض لبس الحجاب وتتعلّل بأنّها لم تقتنع به بعدُ! لا لشيء إلا لأنّها تريد أن تأخذ كامل حريتها في إبداء زينتها وتستمتع بكلمات الإطراء والإعجاب التي تأتيها من هنا وهناك! ورغم كلّ هذا تجدها تنفي الكبر عن نفسها، ولا تعترف بوجود الطّغيان في داخلها، حتى تُبتلى بمرض يذكّرها بمصيرها، فتعود إلى رشدها وتتواضع لخالقها وتذعن لشرعه.

تجد الرّجل يأنف من المواظبة على صلاة الجماعة، لأنّه لا يقبل أن تمسّ كتفه أو قدمه، وربّما يتعلّل بأنّ فراش المسجد غير نظيف، أو أنّ قراءة الإمام لا تعجبه!.. وتجد من تسلّل الكبر إلى نفسه يبتسم في وجه شخص معيّن على الرّغم من أنّه يمقته في قرارة نفسه، لا لشيء إلا لأنّه يحتاج إليه في مصلحة دنياه، لكنّه في المقابل يكشّر في وجه شخص آخر فقير أتاه في حاجة له.. وتجد الرّجل يماطل في سداد دينٍ أخذه من شخص لا يتوقّع منه أيّ ردّة فعل، بينما يسارع إلى سداد دين لشخص آخر يخشى سطوته وانتقامه.. تجد الموظّف يتحمّل مسؤول العمل إذا أمره أو زجره بقسوة، ويتحلّى بالصّبر ويكظم غيظه، خوفاً من عواقب وتبعات الردّ عليه بالمثل، لكنّه في المقابل لا يقبل أيّ كلمة تأنيب أو لوم من فقير لا يحتاج إليه في شيء من أمور حياته، وربّما ينظر إليه بدونية ويزجره بشدّة إذا انفعل بسبب ضياع حقّ له، ويردّ له الصّاع صاعين وينتقم منه بشدّة وقسوة…

كلّ هذه المظاهر، تدلّ على وجود طغيان في النّفس، ربّما يكون سببا في حرمان المسلم من دخول الجنّة، فـ”لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر”؛ كيف لو كان هذا الكبر مانعاً من قبول النّصح؟ كيف لو كان مانعا من الهداية والاستقامة على دين الله؟ لا شكّ أنّه سيكون سببا في هلاك صاحبه في الدّنيا والآخرة.. فعلى المسلم أن يكون حذرا من نفسه أن تتلطّخ بالطّغيان ويتسرّب إليها الكبر، فتقوده إلى سخط الخالق ومقت الخلق، وتلعنه القلوب قبل الألسنة.

مقالات ذات صلة