الرأي

لا تتلاعبوا بحقوق أبنائنا في التعليم

كان متوقعًا منذ إعلان وزارة التربية الوطنية عن تحديد السادس من سبتمبر موعدًا للدخول المدرسي الجديد أن تتعالى أصوات من هنا وهناك للاعتراض على التاريخ، ثم يركب نواب من البرلمان الموجة الشعبية مباشرة، باسم “التعبير عن انشغالات المواطنين”.
نحن هنا لسنا بصدد مناقشة مطلب شريحة من المجتمع بتأخير الدخول التعليمي لأي سبب كان، خاصّة لما يرتبط بظروف مناخيّة قد تبدو موضوعية أو على الأقل قابلة للنظر، لكن المقلق في الأمر هو أن النزعة المطلبيّة لا تظهر عادة إلا في الاتجاه السلبي، بينما تغيب أصوات الدفاع عن حقوق أبنائنا في التعليم في خيارات كثيرة جرى إقرارها على حساب تكوينهم البيداغوجي من دون أن يثير ذلك حفيظة أي جهة!
سنعود إلى بسط هذه الفكرة في ثنايا العمود، لكن قبل ذلك، ينبغي الإشادة بقرار وزارة التربية الوطنية بتقديم موعد الدخول المدرسي، لأنه يعيد القطاع إلى الوضع السليم بعد سنوات من التساهل في هضم الحيّز الزمني لتنفيذ المناهج المقررة لكافة المستويات، وهو ما يعني تلقائيًّا حرمان التلاميذ من رصيد تربوي وعلمي سيؤثر حتمًا على مسارهم المستقبلي.
ولا نظنّ الجزائر تمثل الاستثناء باستئنافها للدراسة مطلع شهر سبتمبر، بل هو التاريخ المعمول به في دول المنطقة العربية، على الأقل، بل إن كثيرا منها تفتح أبواب مدارسها منذ نهاية شهر أوت.
إذا عُدنا إلى سياق الفكرة التي أشرنا إليها آنفًا، فإنّ المقلق في الوضع ليس المطالبة بالتأجيل في حدّ ذاتها، وإنْ كنّا نتحفظ على الصيغة، بل هو غياب الغيرة على حقوق أبنائنا في تعليم كامل، وجنوح الكثير منّا للكسل والراحة والانتصار للمصالح الفئوية الضيقة على حساب المنفعة العامة.
وهنا سنعود بالذاكرة قليلا إلى الوراء، قبل أشهر قليلة فقط، أعلنت وزارة التربية في قرار مفاجئ عن تقديم امتحانات الفصل الثالث إلى مطلع ماي 2026، ما جعل حيّزه الزمني لا يتجاوز عمليّا 20 يومًا، وهو ما شكّل كارثة تعليميّة حقيقية، حينها لم نسمع أصوات جمعيات الأولياء ولا نقابات القطاع ولا البرلمانيّين تحتج على دوس الموسم الدراسي والانتقاص من البرامج التكوينية، كما لو أنّ الحال كانت في صالح الجميع!
منذ عقدين تقريبًا، ظلّ قطاع التربية مسرحًا لاضطرابات مزمنة وانقطاع متواصل عن التدريس، وفي كل مرة كانت الوصاية تلجأ إلى “قاعدة العتبة” في الامتحانات الرسمية، بتحديد مجموعة الدروس الممتحَن فيها، وقتها رأينا الأغلبية راضية عن الواقع، طالما أن ذلك سيضمن النجاح لأبنائها، بغضِّ النظر عن قيمة الشهادة المكتسَبة، بينما كان الأصل أن ينتفض هؤلاء للمطالبة بحقوق أبنائهم في استكمال البرامج المقررة ولو بتمديد الموسم التعليمي.
لقد عانت المدرسة الجزائرية من اضطراب الإصلاحات التربوية والاحتجاجات المطلبية منذ مطلع الألفية الثانية، ولم تعرف الاستقرار النسبيّ والعودة تدريجيًّا إلى تصويب أخطائها إلا مؤخّرًا، لذلك فإنه من المسؤولية الأخلاقية الآن لجميع الشركاء الحرص على دعمها والعمل، كلٌّ في مستواه، على رقيّها وتحسين أدائها ومرافقة تقدمها.
إن الواجب يقتضي من النقابات وجمعيات التلاميذ ونواب الشعب الحقيقيين الانخراط فعليًّا في الإصلاح التربوي، بالدراسة الجادة لكل محاوره وتفاصيله والتحليل الاستشاري المتخصص وقوة الاقتراح والضغط المشروع في اتجاه تكريس منظومة تربوية حضاريّة وطنيّة، عوض الظهور الموسميّ فقط في سياق المطالب الشعبية لأجل تسجيل “نقاط سياسيّة انتخابويّة”.
إذا أخذنا الجدل القائم حاليا على سبيل المثال لا الحصر، خاصة من أهلنا في الجنوب، حول زحزحة موعد الدخول المدرسي، مراعاة لطبيعة المناخ الصحراوي، فإنّ الأولى هو طرح الانشغال في إطار شموليّ أوسع، بمعنى إثارة المسألة من باب الحفاظ على حق التلميذ كاملا غير منقوص في تلقّي البرامج التعليميّة ثم تحديد الأجندة الزمنية في ضوء ذلك.
حينها يصبح ممكنًا اقتراح تواريخ بديلة تستجيب للانشغال الشعبي من دون المساس بجوهر الأصل وهو التكوين البيداغوجي، وفي هذه الحالة سيمسّ التعديل كل الرزنامة إلى نهاية الموسم الدراسي، إذ يتقرّر تمديد نهايته تعويضًا عن تأخير انطلاقته، شريطة ألا ترتفع لاحقًا الاعتراضات المعتادة من طرف آخر يريد مغادرة الأقسام والمدارس قبل الأوان!
إن تسجيل هذه الملاحظات ليس انتقادًا مبدئيّا لأي جهة ولا تحاملاً مسبقًا على أي طرف ضمن مكونات الأسرة التربوية، لكنه صرخة وعي إلى عمق المجتمع، بأن تظلّ المدرسة مؤسسة مقدسّة والتعليم حقًّا مصونًا والتلميذ أمانة منوطة في أعناق الجميع، ثم تأتي لاحقا كل المطالب الفئويّة والمهنيّة والماديّة مُكرّسة في خدمتها ورعايتها، لا مستغلة لها في سبيل مصالح خاصة.
عندما نفكر من داخل تلك الرؤية المتفق بشأنها، سنجد دومًا الحلول التوفيقيّة، بتطويع كافة المطالب، مهما كانت طبيعتها، إلى مركزية سير العمليّة التعليميّة ومرجعيّة مصلحة التلميذ الأساسيّة وحقوقه المكفولة بقوة القوانين.

مقالات ذات صلة