لا تستحق الاستقلال
زعيم الهند الكبير المهاتما غاندي، داعية اللا عنف، في عالم لا يكاد يؤمن إلا بالعنف، حتى من الدول التي تزعم الدعوة إلى نشر ثقافة الحوار، وحل المشكلات حلا سلميا..
وغاندي أحد زعماء العالم الكبار، الذي سجّل اسمه في تاريخ الإنسانية، وقد عانى كثيرا من المستعمرين الانجليز، ليعودوا من حيث أتوا، ويتركوا الهند لأهلها، مستعملا في ذلك فلسفته الداعية إلى عدم استعمال العنف، واكتفى بالدعوة إلى مقاطعة السلع الانجليزية، وقد أصابت هذه السياسة الامبراطورية الهندية في مقتل، وكلما تذكرت مقاومة غاندي الاقتصادية تساءلت عما سمي “المقاطعة العربية لإسرائيل”، وانتهيت إلى أنها “حديث خرافة”، لأن “عبيد الشهوات لا يتحررون” كما يؤكد الإمام محمد البشير الإبراهيمي.. وقد أثبتنا نحن أكثر العرب أننا نمشي على بطوننا، وأننا عبيد شهواتنا، خاصة في شهر رمضان، الذي من المفروض أن يحررنا من هذه الشهوات.
لقد أضنى صاحب الجسم النحيل، الذي لو توكّأ عليه طفل لانهدم، أضنى جسمه لإخراج بلده من “عالم العبيد” إلى “عالم الأحرار”، سواء كانت هذه العبودية موروثة عن النظام الاجتماعي الهندي، أم كانت مجلوبة مع الاستعمار البريطاني..
كان غاندي يهمه تطوير المجتمع الهندي وتغييره نفسيا ليكون أهلا للاستقلال، ولأن المجتمع – أي مجتمع- لو كان متطورا أصلا لما وقع تحت سيطرة غيره فـ “قابليته للاستعمار”، بتفشي ظواهر الجهل والكسل، جعلته يسقط في قبضة مجتمع متطور..
وذات يوم مر المهاتما غاندي في أحد الشوارع، ويبدو أن “بصقة” وقعت على رأسه، فتألم نفسيا وقال: “إن الهند لا تستحق الاستقلال مادام المار في أحد شوارع بومباي أو كالكوتا معرضا لأن يتلقى بصقة على رأسه من إحدى النوافذ”. (مالك ابن نبي: من أجل التغيير. ص 84. دار الفكر. 2006).
كنت أود التعليق على هذه الحادثة بما نشاهده في وطننا، ثم تذكرت مقولة لأحد الجواجلة، وهي “لقد هجم علينا الاستقلال، قبل أن نستعد له”، فرأيت هذه المقولة معبرة عما وددت أن أفصّل القول فيه.