لا تسوّدوا وجهي..
نردد نحن المسلمين قول الله – عز وجل- “كنتم خير أمة أخرجت للناس…”، ونكرر في أحاديثنا وكتاباتنا حديث الصادق الأمين الذي يخبرنا فيه بأنه – صلى الله عليه وسلم – يباهي بنا الأمم يوم القيامة.. وكل ذلك صدق وحق عندما كان المسلمون ويكونون معتصمين بحبل من الله، ملتزمين بأوامر دينه وتعاليمه مقتدين برسول الله في سلوكهم، أما الآن وفي القرون التي قبلنا فنحن أسوأ الأمم، حتى لينطبق علينا قوله – صلى الله عليه وسلم – الذي أخرجه الأئمة ابن ماجه والنسائي وأحمد، “.. لا تسوّدوا وجهي يوم القيامة..”، لأننا كما قال أحمد شوقي مخاطبا رسول الله – عليه الصلاة والسلام – واصفا لنا:
شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سبات فأيّ “خيرية” تكون لنائم بين أيقاظ؟ فالأمة “الإسلامية” اليوم “خشب مسندة” بين أمم يقظى، ساعية، تصل الدليل بالنهار… مثلها كمثل النحل والنمل ..
إن الخيرية تكون في العلم وبالعلم، ولأهميته القصوى فقد وصف الله – عز وجل – نفسه به، فهو “عليم” و”أحاط بكل شيء علما”، “علّم آدم” – في الجنة – الأسماء كلها”، بالرغم من عدم حاجته إلى العلم.. وقد كان العلم هو أول مأمور به في أول آية أنزلها الله – عز وجل – “اقرأ…”.
كان المسلمون “خير أمة” عندما كانوا يعتبرون العلم “عبادة”، فتعلموا، وعلّموا غيرهم، وما وصلوا مكانا في هذه الأرض إلا أشاعوا العلم ونشروه بين الناس بصرف النظر عن دينهم، وعرقهم، ولونهم، ووضعيتهم الاجتماعية… حتى اعتبر الكاتب الفرنسي أناتول فرانس في كتابه “الحياة المزهرة” أن أسوأ يوم في تاريخ فرنسا هم يوم هزيمة المسلمين في معركة يواتيي، لأن فرنسا حرمت علم المسلمين لمدة سبعة قرون، فلو دخل المسلمون إلى فرنسا لكانت نهضتها في القرن السابع بدلا من القرن الرابع عشر أو الخامس عشر.
إن المسلمين اليوم هم أجهل الأمم، فالعلم هو أهون شيء عندهم، والعلماء في شتى الميادين هم أدنى مرتبة اجتماعية، حتى تمنى الشاعر الجزائري محمد السعيد الزاهري (ت 1956) أنه لم يقرأ حرفا:
“ليتني ما قرأت حرفا، ولا أعـ رف فرقا بين “كاف” و”جيم“.
لأنه رأى كيف يرفع الجاهل مكانا عليّا، ويرد العالم أسفل سافلين، وهذا عكس ماهو واقع عند الأمم الحية التي تستحق الحياة.. ولا تسلم أمرها إلا للخيرة من أبنائها، في حين يتولى أمر المسلمين أكثرهم جهلا…
إن شخصا عندنا قيل له: “جاء الفاكس”، فقال: “خلّيوه يستنّى”، ظنا منه أن هذه “الحيّة” المسامة “فاكس” بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، والكارثة ما بعدها كارثة أن هذا “الكائن” صار “سينا تورا” يشرع للأمة، ويقرر ميزانيتها، و والله الذي لا إله إلا هو لولا أنه حرّم “الانتحار” لترديت من شاهق، حتى لا أموت في اليوم سبعين مرة، جرّاء ما يجري في وطني وفي أمتي، التي قال عنها أحد الأرمن: “يلعن هيك أمة من الميّة للميّة”. (أي لعن الله أمة كهذه من الماء إلى الماء).
كان المسلمون خير أمة عندما أقاموا العدل، واعتبروه “أقوى جيش” كما يقول الإمام الماوردي في أحكامه السلطانية، ونشروه في البلاد التي استظلت بحكمهم، ولم يسمحوا لأي اعتبار أن يحول دون إقامته.. حتى قيل إن “ظلم المسلمين” أفضل من عدل غيرهم..
ولكن المسلمين اليوم هم أظلم وأطغى، وهم أغير على الظلم كغيرة غيرهم على العدل أو أشد، وهم لا يظلمون غيرهم – وهو حرام – ولكنهم يظلمون بعضهم بعضا إلى درجة “القتل” بالباطل… أما السجن.. والتجويع.. والتشريد فهي “لعب” نلهو بها… وصار أشد الناس عداوة لنا أكثر “رحمة”ّ لنا.. كيف لا يكرهنا غيرنا ونحن أكثر كرها لبعضنا من كرههم لنا؟
وصرنا نثق في أعدائنا، ونتحاكم إليهم، ونحكمهم فيما يشجر بيننا، وهم يضحكون علينا، ويسخرون منا.
كان المسلمون خير أمة عندما كانوا يطبقون أمر الله – عز وجل – لرسوله – عليه الصلاة والسلام- أن يقول لعباد الله – المسلمين – أن يقولوا “التي هي أحسن”.. “فنسخنا قول الله – سبحانه – وأتينا بأسوإ منه، ولم يسعد لا حالنا ولا نطقنا.. ومن استمع لما نقوله تمنى لو أن الله – عز وجل – “أنعم” عليه بالصّمم حتى لا يتأذى سمعه مما نقول خاصة من يحسبون أنفسهم على شيء، ويظنون أنه لم يخلق مثلهم في البلاد، وأنهم أزكى نفوسنا، وأهدى سبيلا، وأقوم قيلا..
كان المسلمون “خير أمة” عندما كانوا يتنظفون في أجسامهم، وأثوابهم ومنازلهم لأن ربهم يحب المتطهرين، وأخذوا زينتهم حتى في المساجد التي تذكرهم بالآخرة.. فإذا هم أوسخ الناس، في أنفسهم، وفي أثوابهم، وفي منازلهم ومساجدهم ومدنهم، وإذا زاروا بلادا غير بلدانهم ملؤوها أوساخا وقاذورات.. وأما إن تجرّأ أحد من غيرنا وزار بلداننا فعليه أن يجري أولا عملية جراحية على أنفه أو يتدرب على التنفس من فمه حتى لا يصاب بالغثيان، لأنه سيشم أكره الروائح في الدنيا..
كان المسلمون “خير أمة” عندما كانوا يعتبرون الصدق لا خلقا فقط، بل جزءا من الإيمان، فيتحرون الصدق فيما يقولون، والإتقان فيما يعلمون، وكانت كلمة (travail arabe) تضرب لحسن الصنع وإتقانه.. وشيئا فشيئا صرنا أكذب الأمم، واحتياطنا من الكذب أضعاف – بما لا مجال للمقارنة – من احتياطنا من الغاز والبترول، كما يؤكد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم.. وانقلب مفهوم الكلمة السابقة إلى أسوإ عمل وأرذله وأرداه..
يحرم الإسلام السرقة، ويجعل لها حدّا شديدا، وهم قطع اليد السارقة… فإذا بكثير من “كبار المسؤولين” هم أكبر السراق” وهم لا يسرقون أناسا أمثالهم، بل يسرقون شعوبهم وأوطانهم، ولو احتفظوا بالمسروقات في بلدانهم لقلنا إن إلى هذه البلدان رجعى تلك الأموال، ولكنهم يهربونها إلى بنوك الأعداء وقد تضيع منهم كما ضاعت من أوطانهم…
يعلن الإسلام من أول أمره أن من غش ليس من المسلمين، فإذا هم بعد حين من الدهر يصيرون أكثر الأمم غشا، فانتخاباتنا في جميع المستويات قائمة على الغش، ولا يخجل الغشاشون من تكرار أن الشعوب “انتخبتهم”، وهم أول المكذبين لما يقولون – وامتد الغش إلى أقدس شيء وهم العلم، فصارت امتحاناتنا كانتخاباتنا تفوح منها رائحة الغش..
أبعد هذا وغيره نتوقح ونردد “كنتم خير أمة أخرجت للناس؟” نرفع بها خسيستنا ونحن في هذه الحال التي لا تسر الناظرين، ولا تفرح السامعين..
يا رسول الله كنت أود أن أبشرك بأننا على أحسن حال، ولكننا لم ننتظر إلى يوم القيامة لـ “نسود” وجهك المنير، بل استعجلنا ذلك فـ “سوّدناه” في الدنيا، وكرّهنا الأمم والشعوب في الدين الذين جئت به رحمة لهم، فـ “المعاني الكبيرة – وأنت يا رسول الله وما جئت به أكبر بعد الله – ولكن العقول الصغيرة لا تتحمل المعاني الكبيرة“.
لقد عمل العلماء الربانيون ودعوا هذه الأمة إلى أن تعود سيرتها الأولى “خير أمة أخرجت للناس”، فتتآمر بالمعروف، وتتناهى عن المنكر وتؤمن بالله، ولكن أكثرها أعرض ونأى بجانبه، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير…
لقد صدق الإمام الإبراهيمي الذي كتب منذ أكثر من ستين سنة يقول: “إن من يفكر في حال المسلمين ويسترسل مع خواطره إلى الأعماق يفضي به التفكير إلى إحدى نتيجتين: إما أن ييأس فيكفر، وإما أن يجن فيستريح”. (آثار الإمام الإبراهيمي ج3/ص 483).
فاللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وآتنا رشدنا لنتبين الرشد من الغي، ولنتغلب على هؤلاء السفهاء، وعلى نفوسنا الأمارة بالسوء، ولنرحم العالم الذي أشقاه طفاته وفاسدوه بما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – فهو “نبي لزماننا” – (a Prophet for our time)، كما قالت العالمة البريطانية كارين أرمسترونج…