الرأي

لا تعطوا الكرة أكثر من حجمها

سلطان بركاني
  • 1265
  • 0

الاهتمام المبالغ فيه بكرة القدم، ليس محنة خاصّة ببعض الجزائريين أو المغاربة أو المصريين، ولكنّه يكاد يكون رزية أمّة بأكملها خاصّة عربها، يوم أصبح المسلمون العرب من أكثر شعوب الدّنيا تحمّسا للكرة، وأكثرهم تفاعلا وتأثّرا بنتائج مبارياتها، وألدّهم خصومة في منافساتها، مع أنّه لا ناقة لهم ولا خطام في أكثر بطولاتها، ولا أمل لهم في إحراز كؤوسها العالمية!

كان في الإمكان أن توظّف مثل هذه المنافسات لخدمة قضايا الأمّة، ورأب الصّدع بين بعض الدّول المسلمة، لو كنّا نملك إعلاما هادفا يهتمّ بالأخلاق الرياضية أكثر من اهتمامه برصد الكواليس وبثّ النّميمة، ورياضيين ينظرون إلى الكرة على أنّها وسيلة وليست غاية، لكنّنا في كلّ مرّة نرى من المظاهر ما يضرّ ولا يسرّ، ثمّ نرى شبابا وأطفالا يقلّدون تلك المظاهر المشينة في واقعهم.

إنّنا في أمسّ الحاجة لأن نعيد النّظر في علاقتنا بكرة القدم، لنجعلها وسيلة لخدمة ديننا وأوطاننا خدمة حقيقية بعيدا عن الشّعارات الجوفاء… كما أنّنا في أمسّ الحاجة أيضا لأن تتحرّك قلوبنا للإسلام على الأقلّ كما تتحرّك للكرة… نريد لقلوبنا أن تحزن لهذا الدّين وتخفق لمصائب المسلمين على الأقلّ كما تحزن لخسارة في مباراة… حرام وعيب وعار أن تصبح كرة القدم أهمّ عندنا من ديننا وأمّتنا… كرة القدم لعبة ولا يجوز أن تصبح دينا وديدنا وهَما يملأ حياة المسلم ويستغرق ليله ونهاره.

ها هو السّتار قد أسدل على بطولة أمم إفريقيا التي لم يجن منها كثير من شباب المسلمين سوى كلمات تفوّهت بها ألسنتهم واستقرّت في صحائفهم، وضغائن وأحقاد حملوها في قلوبهم لبعض إخوانهم بسبب مباراة!

الصّراع بين الحقّ والباطل في الأرض المباركة على أشدّه، والصّفوف بدأت تتمايز، ولا مكان لمن يعيش على هامش الحياة من غير هدف. فلينظر كلّ واحد منّا في قلبه أيّ همّ يحمل فيه؟ همّ دينه وهمّ آخرته؟ أم تراه يحمل همّ دنياه وهمّ من سيفوز بكأس هذه البطولة أو تلك؟

إنّه لا يجوز وليس يسوغ أبدا أن يتحوّل اللّعب في حياتنا إلى دين، ويتحوّل الدّين إلى لهو ولعب. المفترض في كلّ مسلم أن يكون صاحب هدف ومبدأ، يعيش لأجله، ويستغرق حياته، ويملأ قلبه، لأنّه يعلم أنّ العمر قصير ولا يصحّ أن يضيّعه في الغفلة عن هدفه وهمّه… كرة القدم لعبة لا ينبغي أن تعطى أكثر من حجمها وأكثر ممّا تستحقّ… المباراة التي تستغرق ساعة ونصف السّاعة، لا ينبغي أن تأخذ أكثر من وقتها، والبطولة التي تستغرق شهرا لا ينبغي للمسلم أن يبقى حبيسا لنتائج مبارياتها وكواليسها أسابيع وأشهرا متوالية!

بلدان المسلمين تعاني أزمات متراكمة لا يمكن حلّها بكرة القدم… ولو تناوبت المنتخبات العربية على الظّفر بأهمّ الكؤوس العالمية ما حلّت تلك الأزمات… بل ربّما تكون تلك الكؤوس أشجارا شاردة يراد لها أن تغطّي غابة الفشل والإخفاق في ميادين الجدّ والعمل، سرعان ما تيبس وتتهاوى، لنفيق على واقع مرّ مرير صنعناه بكسلنا وخمولنا وانشغالنا عن الأهمّ بما لا ينفعنا في ديننا ولا دنيانا.

مقالات ذات صلة