-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا تُجمّدوا ديننا ولا تميّعوه!

سلطان بركاني
  • 1003
  • 2
لا تُجمّدوا ديننا ولا تميّعوه!

الجزائر، كغيرها من بلدان العالم الإسلاميّ، تزخر بعدد لا بأس به من العلماء والدّعاة والمصلحين، يتنّوعون بين مدارس الإسلام المختلفة؛ فمنهم من يقف عند ظواهر النّصوص ويرى ذلك التزاما بالسنّة سفينة النّجاة، ومنهم من يميل إلى النّظر في المقاصد وإعمال روح النصّ، ومنهم من هو بين هذا وذاك.. ولعلّ من أكثر دعاة الجزائر ميلا إلى المقاصد وفقه النّصوص، الأستاذ لخضر رابحي، صاحب المناظرة المشهورة مع أحد أدعياء الفكر في الجزائر.

يبذل الأستاذ لخضر رابحي، جهودا طيّبة، في كشف أثلام المدرسة الظّاهرية المعاصرة، وما يعتورها من جمود فاق في بعض القضايا جمود المدرسة الظّاهرية القديمة، مع فقه لا يتعدّى في كثير من الأحيان تمييز سقيم النّصوص من صحيحها ومعرفة خاصّها من عامّها، من دون الاهتمام بالنّظر في المقاصد وردّ النّصوص إلى قواعد الدّين الكلية، فضلا عن الاهتمام بتغيّر الواقع وفقه الواجب فيه.. كما يحرص الأستاذ رابحي على نفض الغبار عن نصوص يهملها أتباع المدرسة السلفية، ولا يلتفتون إليها، مع أهميتها ومسيس الحاجة إليها في وقتنا المعاصر، وكان يفترض أن تطرح مع غيرها من النصوص لتكوين فكرة عامّة حول المسائل محلّ الدراسة، لكنّ السلفيين يغضّون عنها الطّرف، ويتعاملون معها بخلاف المبدأ المعروف: “الأصل في النّصوص الإعمال لا الإهمال”!

من القضايا التي دندن حولها الأستاذ رابحي كثيرا، قضية مكانة المرأة في المجتمع المسلم، وقد نقل نصوصا تدلّ دلالة واضحة على أنّ بعض الحواجز التي بالغ بعض أهل الظّاهر في نصبها وإعلائها، وأدّت إلى وقوع المسلمين في بعض البيئات في حرج من أمرهم، ومن ثمّ سهل على بعض الجهات المتربّصة نقلهم من النقيض إلى النقيض؛ تلك الحواجز وضعها علماء لم يحسنوا إعمال مبدأ سدّ الذّرائع وغلوا في تطبيقه غلوا كبيرا.. والأستاذ بإشاراته المتوالية في هذا الموضوع قد وضع اليد على جرح غائر في جسد الأمّة، ويمكن إشاراتِه أن تساهم في موازنة الكفّة، متى ما سيقت للغرض الذي كتبت لأجله، لكنّ سوء استغلالها قد ينقلنا إلى الضّفة المقابلة لتكون متّكأً للنّسوية المنفلتة من الدّين التي تزعم أنّها ردّ فعل طبيعيّ للظّلم الذي سُلّط على المرأة خلال عقود مضت باسم الدّين! والحقّ أنّ أفكارها صيغت في بيئات غير عربية ولا إسلاميّة، ليس لتحارب التشدّد إنّما لتحارب الدّين وتدعو إلى التحرّر من سلطانه تحررا كاملا.. الفكر النّسويّ يشقّ طريقه في أوساط المجتمع، والصّورة الخاطئة التي دأب أتباع الظّاهرية المعاصرة على الترويج لها، اندثرت إلا قليلا، لحساب الفكر النّسويّ الذي فُرض بسلطة القوانين والإعلام الموجّه!

قبل حوالي شهر، وفي أجواء الأرقام التي نشرتها بعض الصحف والمواقع الإخبارية حول العدد الرهيب لحالات الطلاق والخلع في الجزائر، أبى الأستاذ رابحي إلا أن يذكّر بحديث المرأة التي جاءت النبي -عليه الصّلاة والسّلام- فقالت: “زوجي ثابت لا أعتب عليه في خلق ولا دين، لكنني أكره الكفر في الإسلام”، وفي رواية صحيحة: “لا أطيقه بغضا”، وقالت أمام النبي: “هو دميم (غير جميل) وبي من الجمال ما ترى”، وعلّق الأستاذ رابحي قائلا: “وثابت بن قيس من خيار الصحابة، بل هو من المبشرين بالجنة في رواية صحيحة، ومع ذلك تطلب زوجته الانفصال والطلاق، بسبب أنه غير جميل ولا تحبه، وتخشى على نفسها أن تخونه لذلك، فطلبت الطلاق”، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “طلقها يا ثابت” بعد أن أمرها برد الصداق.. هذه القطعة من العهد المبارك تنقل إليكم المستوى الحضاري الكبير الذي كانت عليه المرأة المسلمة، وشتان بين هذه الصورة وصورة الوعظ التائه”.

الرواية التي استشهد بها الأستاذ رابحي، مهمّة في بابها، وإغفالها من طرف كثير من الوعّاظ والمهتمّين بالإصلاح الأسريّ، أدّى إلى تفاقم كثير من المشاكل، لكنّها تحتاج إلى الوقوف على تعدّد ألفاظها حتّى تكتمل الصّورة، والأهمّ من ذلك، حسن تقدير الواقع والموطن الذي تساق فيه، حتّى لا تستغلّ في سياقات تزيد الطّين بلّة.

كتابات الأستاذ رابحي نموذج للكتابات المهمّة والضرورية في الواقع الدّعويّ والفقهيّ الجزائريّ، لكنّها -ربّما- تحتاج إلى شيء من التّوجيه، حتّى لا تستثمر في غير ما كتبت لأجله، فشتان بين غرض الأستاذ رابحي وأغراض من يدعون -مثلا- إلى تعطيل المساجد بحجّة أنّ الخطاب المسجديّ مترهّل ومتخلّف، أو من يدعون إلى المساواة التامّة بين الرّجل والمرأة بحجّة أنّ المرأة أصبحت ندا للرّجل ومؤهلة للقوامة مثله تماما، ومثلهم من يدعون إلى إلغاء فرضية الحجاب بحجّة أنّ الإسلام لا يتدخّل في اختيارات النّاس المتعلّقة بمظاهرهم! وهكذا…

الذين يصرّون على التزام الظّاهرية في التعامل مع النّصوص، وعلى التشبّث بالجاهز والثّابت من الفتاوى، مدعوون إلى توسيع مداركهم، وإلى إعمال الفكر والفقه للخروج من ربقة الجمود الطّائفيّ، إلى رحابة الفقه والفكر الإسلاميّين، حتّى لا يكونوا سببا في فتنة الأجيال الجديدة التي تتطلّع إلى فقه واعٍ يهتمّ بإصلاح الواقع ولا يقف عند محاكمته.. ومثلهم أولئك الذين لا همّ لهم إلا إرضاء الآخر، ولو كان ذلك على حساب قواعد الشّرع وإجماعات الأمّة؛ فهم مدعوون -من جانبهم- إلى كبح اندفاعهم وتأطير اجتهاداتهم في نسق يحافظ على محكمات الدّين وأساسياته.. وخير الأمور النّمط الأوسط.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • زوبير

    السلام عليكم، انتشار الخلع (و ارتفاع نسبة الطلاق عموما) دليل على وجود مشاكل على مستوى المجتمع، كغلاء المعيشة و نقص تكوين المقبلين على الزواج. أما الحكم على الخالعة على مستوى فردي كما لو كانت متمردة أو خائنة فعيب ! كثير من النساء يعشن الجحيم مع أزواج مدمنين و موهوسين بالعنف، و لا يحميها أحد، ولا حتى الاقربون. الخلع هنا، وهو خيار قليل من تأخذه اذا أحصينا النساء المتزوجات في هاته الظروف، هو قرار صائب فيما يجهل الكثير انه قضية حياة او موت. التذكير بقصة هاته الصحابية و كذا قصة من رفضت تزويجها غصبا تذكير بمكانة المرأة في الاسلام، و كذا بأن "الدرجة" التي أعطاها الاسلام للرجال تلتزم واجبات كما تلتزم حقوقا.

  • يوغرطة

    لا يمكن الاعتماد علي نص واحد وفقه وحديث واحد لاصدار الاحكام هكذا . لا يمكن الاطمئنان الي فقيه واحد او عالم واحد فالانسان يخطئ ويصيب . ان هذا الدين متين فتوغلوا فيه برفق .