-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا راحة من طاعة الله

سلطان بركاني
  • 654
  • 0
لا راحة من طاعة الله

رحل رمضان، وتوالت الأيام بعد رحيله، ولعلّ كثيرا منّا قد نسوا الهمّ الذي ينبغي أن يُحمل في مثل هذه الأيام؛ همّ قبول الصيام والقيام وتلاوة القرآن.. كان الصّالحون من عباد الله يدعون الله ستّة أشهر أن يتقبّل منهم رمضان، لِعلمهم أنّ قبول رمضان منحة ربانية عظيمة، يترتّب عليها أن يُكتب اسم العبد في سجلّ المغفور لهم والمعتنقين، وربّما يدوّن في سجلّ السّعداء المقبولين، ولذلك أثِر عن عبد الله بن عمر بن الخطّاب أنّه كان يقول: “لو علمتُ أنّ الله تقبّل منّي سجدة واحدة أو صدقة درهم، لم يكن غائب أحبَّ إلي من الموت، لأنّ الله يقول: ((إنما يتقبل الله من المتقين))”.

نحن لا ندري إن كان رمضان قد شهد لنا عند ربّه الكريم حينما رحل مغرب يوم الأربعاء الماضي، ولا نعلم بأيّ شيء ذكرنا في الملأ الأعلى، لكنّ في مقدورنا أن نعلم شيئا من ذلك بتلمّس أعمالنا وأحوالنا بعد رمضان.. يقول العلماء إنّ من علامات قبول الحسنةِ الحسنةَ بعدها، ومن علامات قبول الصيام والقيام وتلاوة القرآن في رمضان أن يثبت العبد على هذه الأعمال الصّالحة بعد رمضان، فيكون في كلّ شهر كما كان في الشّهر الفضيل، لأنّه يعلم أنّ الله يقول: ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين))، أي: حتّى يأتيك الموت، ويقول أيضا: ((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب))، أي متى فرغت من عبادة فانصب لعبادة أخرى؛ لذلك فهو يثبت على الصّلاة لوقتها ولا يخرج صلاة عن وقتها، لأنّه يعلم أنّ الذي يراه ويراقبه في رمضان، يراه ويراقبه بعد رمضان، ويثابر على قيام اللّيل ولو بركعتين يركعهما في وقت السّحر يخشع فيهما ويدعو في سجودهما وبعدهما، ويحافظ على ورد من القرآن كلّ يوم لا يقلّ عن حزبين، ليختم القرآن كلّ شهر، ويغضّ بصره عن الحرام لأنّه يوقن أنّ الذي يعلم خائنة الأعين مطّلع عليه في رمضان وفي غير رمضان… وهكذا.

إنّنا نخطئ كثيرا حينما نصغي لأنفسنا التي توحي إلينا أنّنا قدّمنا أعمالا كثيرة ومهمّة في رمضان، نستحقّ أن نخلد بعدها إلى راحة طويلة الأمد! وتُنسينا أنّ الرّاحة الحقيقية هي في طاعة الله، راحة القلوب وأنس الأرواح في لزوم طاعة الله إلى آخر رمق، ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)).. لمّا سئل الإمام أحمد بن حنبل: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: “عند أول قدم يضعها في الجنة”، ومثله قال الزّاهد إبراهيم بن أدهم: “إذا أردت أن تقترب من درجة الصالحين، فأغلق باب الراحة، وافتح باب الجهد، وأغلق باب النوم، وافتح باب السهر، وأغلق باب الأمل، وتأهب للموت”.

من أراد الرّاحة الحقيقية في الدّنيا والآخرة فليثبت على طاعة الله، ولا يبغ عنها حولا، وليكن همّه في هذه الأيام والأسابيع التي تعقب رمضان همّ الثّبات على طاعة الله، وليجعل نصب عينيه أنّ من أعظم أسباب الثّبات: مجاهدة النّفس على الصّلاة لوقتها؛ فيحافظ على صلواته الخمس في بيت الله، ولا يترك مكانه في المسجد. يعاهد نفسه على ألا يتخلّف عن صلاة من الصّلوات إلا لعذر، ويعقد العزم على أن يحافظ على تلاوة كلام الله بعد رمضان، ويختم القرآن كلّ شهر، وكيف لقلب وجد أنسه في القرآن أن يهجر نبع السّعادة والرّاحة؟ يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: “لو طهُرت قلوبُنا، ما شبعت من كلام الله”.. وكيف يغفل قلب حي عن أعظم سبب من أسباب الثّبات في الفتن والمدلهمّات: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا))؟

من أسباب الرّاحة والطمأنينة والثّبات بعد رمضان وفي كلّ حين وآن: لزوم الدعاء، بأن يلحَّ العبد على مولاه وينكسر بين يديه ويسأله الثّبات على طاعته، ويكثر من الدّعاء بقول الله تعالى: ((رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب))، ومن ترديد أدعية النبيّ عليه الصّلاة والسّلام: “اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد”، “يا مقلِّبَ القلوب، ثبِّتْ قلوبنا على دينك”، “اللهم يا مصرِّفَ القلوب، صرِّفْ قلوبنا إلى طاعتك”.

من أسباب الرّاحة والطمأنينة والثّبات كذلك: كثرة الاستغفار باللّيل والنّهار؛ فالاستغفار من أعظم أسباب لين القلوب وخفّة الأرواح وتعلّقها بالدّار الآخرة، ويتأكّد الإكثار من الاستغفار بعد إتمام صيام رمضان. يقول ابن رجب رحمه الله: “ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقِّعه؛ فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقَّع فليفعل””، ويقول المنذر رحمه الله: “معنى ذلك: أن الصيامَ جُنَّةٌ من النار ما لم يخرِقْها، والكلام السيِّئ يَخْرِقُ هذه الجُنة، والاستغفار يرقِّع ما تخرَّق منها، وكتب عُمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار، وصدقة الفطر”.

هذه هي وصفة الثّبات بعد رمضان وتحصيل الرّاحة والاطمئنان: المحافظة على الصّلوات الخمس في بيت الله، والمحافظة على ورد يوميّ من القرآن لا يقلّ عن حزبين، وكثرة الاستغفار باللّيل والنّهار، والإلحاح على الله بالدّعاء أن يثبّت عبده على طاعته ولا يزيغ قلبه بعد هدايته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!