لا عيد في غزة ولا حج
في خضمّ كل هذه الصراعات والحروب والعدوان المستمر على بلدان المنطقة العربية والإسلامية في الشرق الأوسط وما حوله، من طرف الكيان المحتل، تبقى فلسطين هي بؤرة الألم وتبقى غزة هي الدمل النازف والضفة هي الرأس الجريح الذي يشكّل ألما وصداعا ومغصا للاحتلال من خلال ألم الجسد الفلسطيني برمته، نتيجة ما يحدث له وفيه من حصار وتدمير في غزة، بشكل لم ير مثله العالمُ المعاصر مثيلا، ولا نتوقع أن يرى شبيهه اليوم أو غدا.
غزة الجريحة والنازفة، لكن المقاوِمة والصامدة، رغم الصمت العالمي الذي أرغم على السكوت و”نسيان” معاناة شعب محاصَر ومجوَّع ومدمَّر على كل المستويات، تفرُّغا لمشاهدة حلقات جديدة من مسلسل عدوان مستمر وواسع على كل الجبهات القريبة والبعيدة من مركز الألم: غزة.
انتقلت أهمية الموضوع من تدمير غزة وإبادتها، من المركز إلى الهامش، وتزحزحت غزة في سلم أولويات الإعلام العالمي الموجَّه، من المكانة الأولى إلى المرتبة ما قبل الأخيرة، مع أنها كانت ولا تزال لب كل الصراعات والقضايا التي يتحلق حولها الرأي العامّ الدولي والإنساني: غزة كانت سبب العدوان على إيران ولبنان واليمن والعراق سابقا، واليوم أيضا، وعلى سوريا. كما أن غزة هي التي فجَّرت ردَّ فعل إيران وقصفها أراضي دول الجوار، المتهمة إيرانيًّا بالمشاركة في العدوان عليها من خلال استعمال أراضي هذه البلدان وقواعدها العسكرية وأجوائها لتنفيذ أجندة اليمين الصهيوني المتطرف في الكيان واليمين المتشدد المسيحي في واشنطن.
لم يعد أحد تقريبا يسمع عن غزة ولا معاناة شعبها المحاصَر الممنوع من السفر والمحروم من مستلزمات الحياة بعد موت، حتى من معابر مفتوحة للزيارات الإنسانية الصحية والعائلية مع مصر، ناهيك عن الإغلاق المطبق مع حدود الاحتلال، إلا من شُحنات تدخل على منطق المحتل وهواه، وتراقَب بشدة وتفتَّش بصرامة على معبر رفح.
مع ذلك، يدَّعي الإعلام الموجَّه في الولايات المتحدة والكيان أن غير ذلك يحدث، وأنّ تدفقا للمساعدات قد زادت وتيرته حتى كدنا نخشى القول إن غزة محاصَرة ومجوَّعة ومدمَّرة. كل هذا تمهيدا لتسويق فكرة مشروع “السلام” المتعثر، الذي بدأته الإدارة الأمريكية في غزة والمنطقة، على أمل أن ينخرط فيه الجميع تحت القبة الذهبية: القبة الإبراهيمية.
لا أحد اليوم يتحدث عن مواصلة الاحتلال خرقَ “وقف إطلاق النار” كل يوم عبر اغتيال قادة المقاومة ومقاتليها وتدمير المنشآت الحيوية الخاصة بالإدارة المدنية لغزة، طمعا في تركيع المقاومة وإبعادها عن حاضنتها الشعبية، التي لم تتوان لحظة عن احتضان المقاومة رغم الآلام والجراح والمؤامرات الداخلية والخارجية ومحاولات زرع الفتن الداخلية وتحريك العملاء والمأجورين.
لا حجَّ هذا العام لشعب غزة المحاصَر، المقاوم. لا حج اليوم ولا عمرة غدا… ولا عيد ولا أضاحي غدا، فما قدَّمه من تضحيات تفوق الخيال، ولا يزال، في ظلّ غلق كل المنافذ “المفتوحة” إعلاميًّا. معابر لا يمكن عبورُها إلا بشق الأنفس وعبر إجراءات معقدة تتحكم فيها سلطة الاحتلال حتى على معبر مع مصر. غزة، لا تعرف الحج ولا معنى للعيد، في الوقت الذي تتنافس فيه شعوبُنا على أضاحي العيد، رغم الغلاء، وتتنافس فيه على الحج رغم “استطاعة” القرعة. غزة، وعلى الرغم من أنه لا يكاد يوجد شيءٌ فيها، وكل شيء فيها موؤود، وكل شيء ممنوع، وكل شيء مقموع، إلا أن الشيء الوحيد، الذي لا يوجد غالبا عند غالبية البشر في العالم، هو المقاومة، وصبر غزة والكرامة والعزَّة.