الرأي

لا نهاية للحرب على إيران دون إنهائها في فلسطين

كلما طال أمدُ الحرب المُعلَنة من قبل الأمريكيين والإسرائيليين على إيران، انكشفت حقيقتها والغاية الاستراتيجية التي استهدفتها من أوَّل يوم لها. المسألة لا تتعلق لا بالبرنامج الصاروخي الإيراني ولا ببرنامجها النووي ولا حتى بمضيق هرمز اليوم، المسألة تتعلق أساسا بالقضية الفلسطينية وبإفراغ معركة طوفان الأقصى من الأهداف التي حققتها.

لم يستوعب لا الأمريكان ولا الصهاينة أن يستعيد الفلسطينيون زمام المبادرة في معركتهم التحريرية ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد أكثر من 70 سنة من هذا الاحتلال. كلها كانت فترة هزائم وانكسارات ونكبات تمكن الاحتلال الإسرائيلي من التحكم في زمام المبادرة فيها، من إعلان الدولة العبرية إلى العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 إلى حرب 1967 واحتلال كل فلسطين ومعها سيناء والجولان.

الاستثناء الوحيد الذي حدث خلال هذه الفترة هو مبادرة حرب أكتوبر 1973، ولكن الاحتلال تمكَّن، كما يسعى اليوم إلى ذلك، من تحويلها من حرب تحرير ومقاومة طويلة الأمد إلى حرب تحريك أدت إلى الاعتراف بسيادة العدو على فلسطين وتبادل الاعتراف الدبلوماسي معه والقبول باحتلال هضبة الجولان السورية وجرِّ دول المنطقة تباعا إلى الاعتراف بالدولة العبرية من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى وادي عربة إلى ما سُمِّي “الاتفاقيات الإبراهيمية”.
كل هذا المسار استهدف أمرا واحدا الاعتراف بالكيان الصهيوني من دون الحصول على أي تنازل منه لاستعادة الحقوق الفلسطينية وإن كان ضمن حدود الاحتلال سنة 1967، بل جميع الاتفاقيات والاتصالات التي جرت في فترة ما بعد 1973 كانت تُشبه تكريس الأمر الواقع الإسرائيلي مقابل وعود باهتة لتمكين الفلسطينيين مما يُشبه الحكم الذاتي تحت الوصاية الإسرائيلية في نموذج السلطة الفلسطينية في رام الله.
هذا الخط الاستسلامي كسرته معركة طوفان الأقصى التي أعادت إحياء القضية الفلسطينية وكأنها لم تمُت، بل أعادت لها زخما دوليا لم تعرفه حتى قبل السيطرة الإسرائيلية على كل فلسطين، ولم تخفِ المقاومة الفلسطينية أن الجمهورية الإسلامية في إيران كان لها دورٌ في هذا بل أعلنته وأبرزت مدى تأثيره في قوتها، وكان هذا من الأسباب الجوهرية لوضع إيران على أجندة الاعتداء من قبل التحالف الأمريكي الإسرائيلي مدعوما ببعض البلدان الغربية بدرجات متفاوتة. وقد بدت العلاقة واضحة بين المسألتين الفلسطينية والإيرانية لِما سُمّي خطة ترامب للسلام في غزة (مجلس السلام) إذ بات واضحا أن هذه الخطة لا يمكنها أن تتجسد في الواقع وإيران قائمة وتدعم المقاومة في لبنان واليمن وتُبقي سقف المطالبة بتسوية عادلة للقضية الفلسطينية عاليا. ولذلك، تقرَّر عدوان الـ28 من شهر فبراير الماضي الذي كان هدفه الأساس ضرب رأس النظام باغتيال أهم رموز قيادته وعلى رأسها المرشد الأعلى ومن ثَم إسقاط النظام واستبداله بآخر يتولى بنفسه تفكيك البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي وكل شبكات دعم المقاومة في المنطقة. وعلى خلاف الحسابات الأمريكية الإسرائيلية لم تُحقِّق الهجمات التي استخدمت فيها كافة أنواع القوة التدميرية وآخر ما توصلت إليه التقنيات العسكرية هدفها الأساس، وبدل الأيام المحدودة التي كانت مُسطَّرة للحرب طالت المدة إلى 40 يوما فـ6 أشهر الآن، وستطول أكثر بالنظر إلى تمكُّن الإيرانيين من استعادة زمام المبادرة وتحويل هدف الحرب من إسقاط النظام إلى التفاوض معه لفتح مضيق هرمز!
وعند هذه النقطة عاد الإسرائيلي- الأمريكي إلى السبب الجوهري للصراع لعلهما ينقذان الموقف من خلال مجلس السلام في غزة بعد أن فشلت الحرب في تفريغ طوفان الأقصى من محتواه. وهنا تتجلى لنا صورة المستقبل بجلاء: المسألة الفلسطينية هي جوهر الصراع ولا يمكن إيجاد مخرج للحرب الدائرة اليوم في منطقة الخليج دون تسوية عادلة لها، وإذا لم يحدث ذلك، فإن هذه الحرب ستستمر لسنوات دون أن يخسر فيها الجميع… وعليه، ليس أمام شعوب ودول المنطقة سوى دعم مسار عادل لحل القضية الفلسطينية بدل المراهنة على انتصار أمريكي- إسرائيلي لا يُلغي فقط حق الفلسطينيين في الوجود بل يُلغي كل ما له علاقة بسيادة وحرية دول المنطقة كافة ويوقف خطًا حضاريا استقلاليا ضحت من أجله أجيال منذ بداية عصر النهضة.

مقالات ذات صلة