لا هديّة ولا مزيّة!
من حظنا نحن الصحفيين والإعلاميين، أننا نحتفل مرتين متتاليتين في ماي: الأولى مع معشر العمال في الفاتح من “مايو”، والثانية في الثالث من الشهر، حيث نحتفي بالعيد العالمي لحرية التعبير والصحافة.
يحقّ لنا أن نعتز ونفتخر اليوم، فحرية التعبير والصحافة، لم تسقط هكذا هدية من السماء، ولم تكن “مزيّة” ولا مكافأة.. لقد أخذت ولم تـُعط، ونتيجة تضحيات جسام ومغامرات و“مقامرات“، تحقق نصيبا كبيرا من المبتغى، وإن كان الطريق مازال مفتوحا أمامنا جميعا!
أعتقد أنه لا يحقّ الآن، بعد “انتهاء المعركة” أن يتكاثر الأبطال، أو أن يخرج علينا “مهرّجون” من هؤلاء وأولئك، يُحاولون عبثا محاكمة هذه الصحافة، على أخطاء، لم تسلم منها كلّ التجارب في ديمقراطيات العالم!
لكن، بالمقابل، علينا – نحن الصحافيين– أن ندين ونستنكر ونرفض، كلّ محاولة لتدنيس هذه المهنة الشريفة، أو تلطيخ أهدافها ورسالتها، وضرب مصداقيتها وثقة الرأي العام فيها.. إن الصحافة ليست “ملائكة“، لكنها أيضا ليست “شيطانا“!
نعم، ليس عيبا ولا عارا، لو اتهم بسطاء وشرفاء جزءا من وسائل الإعلام، بتورطه في تحويل حرية التعبير إلى حرية للتدمير و“التمسمير” والتعمير وأحيانا “التشوكير“، بدل أن تكون أداة نقية للتنوير ومحاربة التزوير والتحوير!
إن الصحافة ملك متوارث للرأي العام.. هي سلطة رابعة، من المفروض أنها متبوعة وليست تابعة.. لن تكون أبدا “سخافة” ولا سلاحا للانتقام وتصفية الحسابات، ولا “ميدان حرب“، ولكن الصحافة مسؤولية وأخلاق واحترام وصوت من لا صوت له!
أنجزوا الكثير، وأنجزنا بعدهم الكثير أيضا.. غامروا وغامرنا، قاوموا وقاومنا، غرسوا فقطفنا، ونغرس ليقطف الجيل القادم من بعدنا.. هذه هي الصحافة، استمرارية، انتماء، وفاء وولاء.. وما عدا ذلك، فإنها “تأكل أولادها” كلما ظلموها أو خدعوها أو تلاعبوا بأخلاقياتها وتقاليدها!
من الطبيعي أن تهبّ رياح “الصحّ–آفة” على القلاع غير الآمنة وعلى معاقل الفساد وبؤر التخريب والتحريض على التكسار وإشعال النار.. ومن البديهي أن تتحوّل هذه الصحافة إلى “صديق لدود” بالنسبة إلى البعض، و“عدوّ حميم” بالنسبة إلى البعض الآخر، عندما تختلط مهمة الصحافي مع نشاط الإسكافي!
ليس اختراعا أن ترسم الصحافة لنفسها “خطوطا حمراء“، فحريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، وهذا لا يعني أبدا التواطؤ أو التستـّر أو إخفاء الحقائق، لكنه خط مستقيم يـُساير بالتوازي خطا آخر، يلتقيان عند الدفاع عن المصالح العليا للوطن وحماية أمن واستقرار المواطن وسيادتهما.. فكلّ عام وأنتم صحفيون يا صحفيين.