الرأي

لجنة إصلاح.. لكن!

بقلم: عيسى جرّادي
  • 261
  • 0

عندما نفكر في الإصلاح، سيعني ذلك بالضرورة وجود ما يجب إصلاحه، بالحجم والعمق والتحدي الذي يقتضي إنشاء لجنة وطنية، اختلالات ونقائص عميقة تعوق سير المدرسة، حواجز تحدُّ من استيعابها أفكارا إيجابية تخص الطرائق والمناهج وفلسفات التربية الحديثة، عدم مواكبتها مقتضيات مجتمع في مرحلة تطور، له مطالبه الملحة ليد عاملة ترتقي بالاقتصاد والتكنولوجيا والإدارة والصحة على سبيل المثال.
ثم يتبع هذا كله، تحديد إطار الإصلاح بدقة وموضوعية، حتى يكون شاملا وجذريا وهادفا وقابلا للتطبيق، فلا يكون مثاليا ينبو عن الواقع أو يناقض ثوابته، ولا يلغي كل ما سبق إنجازه مما يمكن تثمينه، فلا يُعمد إلى تأسيس نظام تربوي جديد تماما، مبتور الصلة بما سبقه، يضاف إلى هذا تبني نهج التدرج في تطبيقه، فلا يكون استعجاليا، فيسقط في وحل الترقيع، وبما يعطي الانطباع بوجود خطر قريب، يتربَّص بهذه المدرسة ويهدد كينونتها، ولا أظن المدرسة الجزائرية كانت في يوم من الأيام عرضة لخطر جسيم، وبما يشاع عنها.

ما لا يقلّ عن ثمانين في المائة من أعضاء لجنة الإصلاح، لم يكونوا يُبدون أي تقبُّل لفكرة المدرسة الأصيلة بركيزتيها الأساسيتين الإسلام واللغة العربية، وأترك الحكم لرئيسها الأول، عبد الرحمان حاج صالح، رحمه الله، الذي برَّر انسحابه منها بقوله (وجدتُ نفسي وحيدا ضمن تيار يدعو إلى فرنسة كل مراحل التعليم وأطواره، وكنت الوحيد بين أكثر من 150 عضو، الذي أدعو إلى تعريب التعليم، فلاحظت أني لا أستطيع تغيير الأمر، فخرجت).

من هذا المنطلق، يمكن تصور الإصلاح المنشود، إذ تكون الغاية منه واضحة، والسبيل إليه ممهدة، والإمكانات متوفرة، واحتمال نجاح العملية راجحا بنسبة كبيرة، ولا يكون بأي حال مجرد نزوة شخصية تعلن عن نفسها بهذا الإصلاح، أو استجابة لرؤية ضيِّقة ومحدودة المدى، يغذّيها هوس أيديولوجي لا يوجد ما يبرِّره أو يقرُّه على أرض الواقع، فهل استوعب إنشاء “اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية” في سنة 2000، كل هذه الضوابط والمحدِّدات والآفاق؟
ما سأشير إليه هنا بشأن اللجنة، استخلصته بحكم تعييني عضوا فيها، ومن خلال مواكبتي الميدانية للإجراءات التطبيقية التي تناولت الجانب العملي للتقرير الختامي الذي توَّج تسعة أشهر من عمل اللجنة.
أولا: أنشئت اللجنة في سياق عام تميز بـ:
– تبني سياسة إصلاحية عامة، لمست قطاعاتِ القضاء وهياكل الدولة والتربية الوطنية.
– تبني خيار العمل باللجان الوطنية، وهي ثلاث لجان قطاعية.
– بروز استقطاب حادّ بخلفية أيديولوجية، كانت غايته فرض نمط مجتمع انطلاقا من تكريس نمط مدرسةٍ يساعد على تحقيق هذا الغرض.
– بداية التعافي من الآثار السلبية للمأساة الوطنية، وهو ما كان يدعو ضمنيا إلى تغليب لغة الحوار والتواصل، على خطاب التنافر والصدام، واجتناب كل ما من شأنه أن يؤجِّج الاختلاف وينكأ جراحا لم تشفَ تماما بعد.
ثانيا: صلاحيات اللجنة:
يمكن القول إن اللجنة كانت سيدة تماما في تصور نمط الإصلاح، فقد مُنحت صلاحياتٍ تبدو غير مقيَّدة بأي ضابط فعلي، ما يعني أن ما تقرره اللجنة سيجد طريقه إلى التطبيق، وهو بمثابة الدواء الشافي الوحيد لأمراض التربية الوطنية، ومن ثم لا يمكن تصور أي علاج مخالف.
يتسنى الوقوف على طبيعة وحجم هذه الصلاحيات بقراءة ما ورد في رسالة المَهمّة وهي بمثابة إطار توجيهي للّجنة، وأيضا المرسوم الرئاسي المتضمن إحداثها، إلى جانب نص خطاب التنصيب الذي ألقاه رئيس الجمهورية السابق أمام أعضائها، ففي هذه الوثائق الثلاث، تحددت صلاحيات اللجنة ومجال عملها خاصة في ما يتعلق بـ:
– إجراء تقييم للمنظومة التربوية القائمة قصد إعداد تشخيص مؤهَّل وموضوعي ومفصَّل لجميع العناصر المكوِّنة لها.
– اقتراح مشروع، ودراسة إصلاح كلي وشامل للمنظومة التربوية في ضوء هذا التقييم.
– اقتراح مخطط رئيسي يتضمن المبادئ العامة والأهداف والإستراتيجيات والآجال المتعلقة بالتنفيذ التدريجي للسياسة التربوية الجديدة.
– اقتراح التدابير الضرورية والعاجلة لتطبيقها في ميادين ذات أولوية.
ثالثا: تركيبة اللجنة:
تقديري، أنه بسبب الرغبة في الاحتواء الأيديولوجي للجنة، فإن أكثرية أعضائها لم يكونوا على اتساق مع غايات المنظومة القائمة، أعني تلك التي تؤطرها وتحكم توجهاتها الفلسفية أمرية 1976 المنظِّمة لقطاع التربية، فالأمرية كما يراها هؤلاء كانت بمثابة حاجز قانوني يعترض سبيلهم إلى صياغة منظومة أخرى، بمبادئ ليست بالضرورة تلك التي تعكس صورة منظومة جزائرية الهوية، فكانت اللجنة بمثابة مدخل سياسي وقانوني لإعادة توجيه هذه المنظومة، ورسم مسار جديد لها.
لن أبالغ إذا قلت إن ما لا يقلّ عن ثمانين في المائة من أعضائها، لم يكونوا يُبدون أي تفهم أو تقبُّل لفكرة المدرسة الأصيلة بركيزتيها الأساسيتين الإسلام واللغة العربية، وأترك الحكم لرئيسها الأول، عبد الرحمان حاج صالح رحمه الله، الذي برَّر انسحابه منها بقوله (وجدتُ نفسي وحيدا ضمن تيار يدعو إلى فرنسة كل مراحل التعليم وأطواره، وكنت الوحيد بين أكثر من 150 عضوا، الذي أدعو إلى تعريب التعليم، فلاحظت أني لا أستطيع تغيير الأمر فخرجت).
وإن كنت أبدي تحفُّظا على قوله إنه الوحيد الذي قاوم التيار التغريبي، فثمة أقليةٌ في اللجنة أعلنت اعتراضها في أكثر من موقف على توجهاتها التي تمليها الأكثرية، وأصرت على تضمين التقرير الختامي اعتراضاتها المكتوبة، حدث ذلك داخل اللجنة وأثناء سير أشغالها، ووقع أيضا على مستوى وسائل الإعلام إذ تم الجهر بهذه الاعتراضات، وحتى برسائل وُجِّهت لرئيس الجمهورية آنذاك.
في مستوى تمثيل أطوار التعليم، نسجل أن قطاع التربية الوطنية، المعني الأول بهذه الإصلاحات، لم يحظ بتمثيل مناسب لحجمه ومركزيته، فكان تمثيلُه محدودا جدا، في المقابل أقحِمت أسماء في اللجنة لا صلة لها بالتربية أصلا، وكانت النتيجة أن طغت أصواتٌ من خارج القطاع، كان جلّ اهتمامها أن تهيمن الأيديولوجية على المعرفة، فلا وجود لممثل التربية الوطنية في مكتب اللجنة، بل امتدَّ طوق الهيمنة إلى اللجان الفرعية، وحضور ما يسمى “المجتمع المدني”.

رابعا: سير أعمال اللجنة:
أعود مرة أخرى إلى تصريح رئيس اللجنة المستقيل، عبد الرحمان حاج صالح رحمه الله، -في الحوار المشار إليه من قبل- الذي يقول (عُيِّنت رئيسا للجنة، لكن وقعت أمورٌ في كواليسها جعلتني أعتذر وأغادرها)!
ما هي هذه الأمور؟ هل يشير إلى نظام السرية الذي يطبع أعمال اللجان التي تنتهي إلى فحص تقارير جاهزة؟ أم يعني نظام التصويت الذي يرجِّح رأي الأغلبية، وهي أغلبية معلومة التوجه؟ هل أدرك أن وجوده مجرد غطاء لتمرير مشروع إصلاح مُعَدٍّ سلفا، وإن النقاش السائد في الجمعية العامة مجرد تسويق لكلام لا أثر له في الواقع؟ أم إنه إبداء – وإن أتى متأخرا- لامتعاضه من لغة العمل التي طغت على المداخلات والتوثيق وهي الفرنسية بطبيعة الحال؟ أم هي إشارة إلى الطريقة الانتقائية التي تناولت عرض تجارب إصلاح خارجية، واقتصرت على متدخلين من لبنان والمغرب وتونس وحتى فرنسا، إذ تحظى الفرنسية بامتياز خاص، وهو أمر معلوم وليس كشفا سريا، ويوحي بمحاولة فرض نوع من التوجيه غير المعلن لأعمال اللجنة؟
كل ذلك سيتضح من خلال محتوى التقريرين الأولي والختامي.

للمقال مراجع.

مقالات ذات صلة