لجنة مركزية لقطع رأس بوشارب.. ودورة استثنائية لعزل أويحيى
فجّر الحراك الشعبي معسكر الموالاة، وألحق بتشكيلاته الحزبية أضرارا داخلية، فرضت عليها التحرك لإعادة ترتيب بيوتها الداخلية، بعد أن انقلبت على الرئيس بوتفليقة وعهدته الخامسة وأدارت ظهرها لتمديد العهدة الرابعة وأعلنت دعمها للحراك الاجتماعي الذي يهدد الأمين العام للتجمع الوطني أحمد أويحيى بقطع رأسه، وإنهاء مهام معاذ بوشارب من على رأس حزب جبهة التحرير الوطني، في وقت مازال رئيس تجمع أمل الجزائر عمار غول الوحيد المتمسك بورقة طريق الرئيس لتخطي الأزمة، واختفى رئيس الحركة الشعبية عمارة بن يونس نهائيا وتوارى عن الأنظار رغم مواظبته اليومية على المداومة بمديرية اتصال الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة.
أثارت الخرجات غير المتوقعة لرئيسي حزبي السلطة الآفلان والأرندي، معاذ بوشارب وأحمد أويحيى المدعوم بتصريحات الناطق الرسمي باسم حزبه الصديق شهاب دهشة الساحة السياسية، وعجّزت أكبر المنظرين في المجال السياسي عن التحليل، ذلك لأنه يفترض أن للممارسة السياسية قواعد وإن غابت القواعد خلفتها تقاليد الممارسة.
وبالعودة إلى آخر تصريح، دعا الأحد، الناطق لحزب جبهة التحرير الوطني، حسين خلدون، إلى انتخاب رئيس جديد للجزائر بدل التوجه نحو عقد ندوة وطنية جامعة دعا إليها الرئيس بوتفليقة لتمديد عهدته الرابعة، وقال خلدون “سنراجع موقفنا من قضية ندوة الإجماع الوطني، إذا ما كنا سنشارك فيها أم لا”، مؤكدًا أن “ندوة الإجماع لن تحل مشكل الأزمة التي تعيشها البلاد ولم تعد مجدية” في إشارة ضمنية إلى أن الفكرة تجاوزها الزمن.
بالمقابل، قال الناطق باسم الأفلان “إذا أردنا ربح الوقت علينا إنشاء الهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات، وتعديل بعض مواد قانون الانتخابات تحسبا لانتخاب رئيس جديد يختاره الشعب لمخاطبه والحديث باسم الحراك الشعبي”، فيما بدا على أنه ورقة طريق بديلة لورقة طريق الرئيس، وإن أبدى خلدون، امتعاضه من طرح المعارضة لخارطة طريق لتسيير المرحلة الانتقالية عقب تنحي الرئيس بوتفليقة، بتأكيده على أن الحراك الشعبي عبّر عن رفضه للجميع بما في ذلك المعارضة، وفق تعبيره.
هذا التصريح الذي أخرج رئيس هيئة التنسيق معاذ بوشارب، حيث ناقض طرح خلدون في شكل فعل ورد فعل، يؤكد غياب الرؤية لدى الأفلان بخصوص المرحلة القادمة، لتضاف هذه الضبابية للضبابية التي أثارتها دعوة الأمين العام للأرندي أحمد أويحيى الأسبوع الماضي السلطة للاستجابة الفورية لمطالب الشارع، واعتراف الصديق شهاب بأن قوى غير دستورية كانت تحكم الجزائر منذ 7 سنوات، ورغم تبرؤ الحزب من تصريحات الناطق باسمه إلا أن قراءات المتابعين ذهبت إلى أنها مجرد تقاسم أدوار.
الأفلان والأرندي انقلبا على الرئيس فتركاه وحيدا، ويحاولان المحافظة على مكانتهما السياسية، إلا أن الممارسة السياسية لا تسمح بالانقلاب على الخيارات وإنما تعترف بالاعتراف بالإخفاق والانسحاب على الأقل من الواجهة، ولأن بوشارب وأويحيى لا يريدان التنحي فالأول تحرك المحافظون وبدأت التحركات لاستدعاء اللجنة المركزية لإنهاء مسار بوشارب على رأس الأفلان المهدد في وجوده بسبب خيارات ومواقف قياداته الأخيرة، حسب مصادر “الشروق” داخل الحزب، كما تحرك أعضاء المجلس الوطني للأرندي وإطاراته وشرعوا في جمع التوقيعات لعقد دورة استثنائية للمجلس تسحب الثقة من أويحيى الأسبوع القادم.
فهل هي نهاية أويحيى وبوشارب اللذين لن يسلما من السيول الجارفة للحراك الشعبي، رغم محاولة ركوب الموجة، وإلى أي مدى سيقوم الثنائي غول وعمارة بن يونس، وإن كان الأول قد تمسك بموقفه فالثاني مازال لم ينطق ببنت شفة رغم مرور شهر كامل على الحراك الاجتماعي، ورغم أن مصادر “الشروق” أكدت أنه “يداوم” بصفة يومية بمديرية اتصال الحملة الانتخابية للرئيس.
رجال الرئيس الذين سقطوا وتناثروا مثل حبات السبحة كان يبدو عليهم الارتباك قبل دعم الخامسة، فبن يونس لم يعلنها سوى في الأسبوع الأخير لإعلان الرئيس ترشحه، والأفلان كان ضائعا بين دعم الخامسة والاستمرارية، و”تاج” رقص للتمديد قبل أن ينقلب على نفسه ويدعم الخامسة، والأرندي اتخذ من إعلان الدعم باكرا وسيلة لوقاية نفسه من الضربات والانقسامات إذا صحت الحجة التي قدمها أويحيى لأعضاء مكتبه الوطني.
في الأخير، أويحيى وبوشارب وغول وبن يونس، الذين ستحدد الأيام القادمة مصيرهم السياسي، لم يعملوا بثلاثية العمل السياسي، فرجل السياسة مغامر وليس مقامرا بحسب العارفين ويفترض فيه أن يكون أهلا لأن يتخذ القرار عندما يكون الموقف فيه نسبة من الغموض، فالسياسة لا تعرف الضمانات وهو ما حدث مع العهدة الخامسة، وكونه مغامرا لا يعني أن يعمل بلا تخطيط أو بناء على الخيالات والأماني.
وبين حسن النية وفهم قواعد اللعبة السياسة، هي أشبه بلعبة شطرنج يتدخل فيها عامل الاستعداد والذكاء والإلمام الجيد بقواعد اللعبة، وهي أبعد ما تكون عن لعبة “النرد” التي يرميها اللاعب متمنيا أن تسقط كما يحب أو يتمنى، وهي اللعبة التي لعبها معسكر الموالاة.
كما يفترض بحسب العارفين بالمجال السياسي أن الفاعل السياسي يفرق بين المكاسب فقد يكون بعضها هشا يمكن التنازل عنه كما يمكن استرجاعها في أي وقت ولا تغير من واقع المعادلة الأساسية، وبعضها صلب يسعى السياسي لتحصيلها والحفاظ عليها والدفاع عنها، فهل المكاسب التي سعت إليها أحزاب السلطة صلبة أم هشة، ويبدو أنها كانت هشة وتعامل معها الرباعي بوشارب وأويحيى وغول وبن يونس، من منطق التعامل مع المكاسب الصلبة التي لا يجب التنازل عنها.