“لزرق سعاني”.. يخاطبكم
انضم السيد كمال عبد الرزاق بارة، مستشار رئيس الجمهورية، إلى القافلة التي أبرقت لنا خبر تواجد رئيس الجمهورية في صحة جيدة وعافية، وقال إنه في لياقة حسنة، وسيكون بيننا في القريب العاجل، وكان طبيب الرئيس والوزير الأول وبعض رجالات الدولة من لجان المساندة والوزراء ورؤساء الأحزاب مثل عمار غول ولويزة حنون، قد “كشفوا سريريا” عن بُعد عن حالة الرئيس، وأعطوا التشخيص المُطمئِن، رغم أنهم جميعا لا يعلمون أصلا المكان الذي يتواجد فيه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ولا تشخيص الوعكة الصحية التي ألمّت به.
وعندما تنقل عزيزا على قلبك إلى عيادة خاصة أو مستشفى أو حتى مركز حجامة ويختفي الطبيب المشرف عليه، ويخرج عليك أفراد متفرقون دون الطبيب المعني بصحة عزيزك، ليقذفوك بورود الطمأنة، فمن حقك أن تخاف، ليس على صحة المريض، وإنما من هاته الأساليب التي تفرّق كلمة الحق أو الخبر اليقين بين أفواه نفر من الناس. وتجد الصحف الجزائرية نفسها في حرج عندما تكرّر نفس عبارات التطمين بالحرف الواحد من يوم إلى آخر، فتجد نفسها مُجبرة لتقدم للناس السيرة الذاتية للطبيب رشيد بوغربال مدير المركز الجزائري للطب الرياضي، أو لمستشار الرئيس، وكانت خلال الوعكة الصحية الأولى التي ألمّت بالرئيس عام 2005 قد اعتمدت مُجبرة وليست مُخيّرة، على بيان كتبه أو نطق به فنان “لزرق سعاني” الشاب مامي، الذي طمأن الجزائريين على صحة الرئيس، ولم يفعل حينها لا رئيس الحكومة ولا أي مسؤول كبير في الدولة، ونقلت “البشرى” وكالة الأنباء الجزائرية والتلفزيون ومختلف الإذاعات، وتحوّل الخبر إلى علامات استفهام لم تنسفها حتى سنوات السجن التي قضاها فنان الراي في فرنسا.
عندما تحدث الوزير الأول السيد عبد المالك سلال، من مدينة بجاية عن الحالة الصحية للسيد الرئيس، وعن نقله إلى فرنسا للعلاج، اعتبرنا- برغم الشكوك التي حاول البعض زرعها- ما قام به، لبنة شفافية ومكاشفة ربما اهتدت إليها السلطة لإعادة بناء الجسور التي خرّبتها عشريات من الضبابية، التي جعلت الجزائريين يتسوّلون نور الحقيقة من القنوات الأجنبية والفرنسية بالخصوص، وانتظرنا مزيدا من الوضوح، خاصة أن الشعب أبان عن قلق على صحة الرئيس من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن الأيام التي تلت تصريح الوزير الأول كشفت أن لا شيء تغيّر، وأن السؤال الذي لا يستطيع أن يجيب عنه السيد بارة ولا سلال ولا بوغربال ولا حتى الفنان مامي هو تشخيص حالتنا الصحية التي تعرف تدهورا خطيرا بعد أن فقدنا معالم التعامل مع الأمور العادية التي تتعرض لها الأمم منذ القدم، ضمن قانون الحياة المبنية على المرض كما هي مبنية على العافية.
المشكلة الكبرى أن يكون للأمة طبيب واحد وشعب من المرضى، والمشكلة الأكبر أن يكون للأمة مريض واحد وشعب من الأطباء، في غياب منظومة صحية وسياسية تدفع أمثال الشاب مامي ليغني “لزرق سعاني” وليس للحديث عن أمور طبية سكت عن البوح بها الأطباء المختصون.