لســت منشدا “جهاديا” ولا مجنّدا لخدمة “الحركات الإسلامية”
استقبلنا في مقر إقامته المؤقتة بالجزائر على خليفة إحيائه للعديد من السهرات التي نظّمت خلال الشهر الفضيل في العديد من الولايات وكان أحد منشطيها، هو المنشد أو المغنّي كما يحب مناداته سامي يوسف، أين تحدّث لنا بكلّ عفوية وتواضع والمسبّحة لا تغادر يده عن العديد من الجوانب التي أثّرت في سلوكه واختياره للأغاني والعديد من الاستفسارات و الإشكالات المطروحة، وبيّن كيف أنّ تأثّره بالتصوّف هو أحد أسباب تعلّقه بـ”الموسيقى الإسلامية” على حدّ وصفه، وتكلّم عن زيارته للجزائر وكيف تابع مباراة الجزائر ألمانيا وموقفه من أحداث غزّة الأليمة.
كيف كانت جولتك إلى الجزائر وما تقييمك لمدى تجاوب جمهورك مع الحفلات التي نشّطتها في هذه الزيارة؟
شيء عجيب جدا، بعد أن جاءت هذه الحفلات بعد سبع سنوات من آخر ما قدّمته في الجزائر وجدت دعما كبيرا من الجمهور الجزائري لأغانيّ ومن كلّ فئاته، فلم يكن هناك فقط الشباب بل وجدت الطفل والشاب والكبير والشيخ الرجل والمرأة، فكان التجاوب بفضل الله كبيرا، وأودّ أن أشير هنا إلى أنّي أصلا محبّ للمغرب العربي تونس والمغرب وخاصّة الجزائر.
ما سر هذا المحبّة لهذه البلاد؟
ذلك نابع من محببتي للولي الصالح الشيخ أحمد العلوي شيخ الطريقة الشاذلية الصوفية وهو بمستغانم، ففي الغرب له تأثير كبير على فكر وتعامل وأخلاق الشباب وخاصّة في العشر سنوات الأخيرة.
هل أنت على الطريقة الشاذلية العلوية؟
لا أريد أن أحصر نفسي في طريقة بعينها لكن أنا أقرب إلى الطريقة الشاذلية، وإن كانت كل الطرق التي تدعو إلى التصوّف فيها الأذكار والتربية والسلوك وغيرها من الأهداف الروحية.
المتابع يريد أن يعرف فلسفة الإنشاد عند سامي يوسف، هل تشكّل بالنّسبة لك حرفة أم هواية أم تريد بها إيصال فكرة معيّنة روحية أو تربوية أم غير ذلك؟
سؤالك جيّد فقط لنغيّر كلمة إنشاد إلى غناء وموسيقى، لأن الإنشاد في زماننا تغيّر وأصبحت متعلّقا بالأغاني القدسية والأصيلة ولا تتطرّق إلى الكلمات الإنسانية، ومن السبعينيات والثمانينيات أصبح المنشد مرتبطا بالجهاد والحركات السياسية الإسلامية، فضلا عن ذلك فقد أصبح بعد ذلك كل من يغنّي ببعض الكلمات يعتبر منشدا.
هل تقصد رفض ربط الموسيقى بالقدسية والأصالة؟
ليس هذا قصدي ولكن الذي أردت قوله أنّ لكلّ فنّ رجاله ولو كانوا مسلمين فابن سينا مثلا هو عالم في الطب والفلسفة وعندما نتكلّم عن علومه ليس بالضرورة أن نربط ذلك بإسلامه وإن كنّا نعرف أنّه من الشخصيات الإسلامية، ونفس الأمر اليوم عن الموسيقى والإنشاد، وهنا أقول أنّي توجّهت إلى الموسيقى الإسلامية لشيئين أوّلا إحياء لتراثنا وثقافتنا وثانيا في سبيل المحافظة على قيمنا وتقاليدنا.
تعتقد أنّ هناك علاقة بين الإسلام والموسيقى؟
الموسيقى كانت لها دائما علاقة بالإسلام علاقة دينية وقد عرفت من قبل عند العديد من الطرق الصوفية كالرفاعية والتيجانية وغيرها.
البعض ينظر إلى أنّ التوجّه المعاصر إلى الإنشاد أو ما تسمّيه “موسيقى إسلامية” الغرض منه جلب الشهرة والأضواء.
بالنّسبة لي الموسيقى هي الحياة، لكنّي أكره الشهرة، وصحيح أنّ بعض الشباب توجّه إلى هذا النوع من الفنون قصد الشهرة والحقيقة أنّ هذا الشيء أي الشهرة هي مشكلة في حياة الفرد بل هي مصيبة، ولو نتبّع سير علماء الإسلام فلن نجد أحدا بحث عن الشهرة أو أراد الوصول إليها وإنّما كانت أعمالهم وما يقومون به في سبيل الله.
وما ردّك على من يقول بأنّ هذه الأناشيد لا فرق بينها وبين باقي الأغاني التي تدعو إلى الفساد باعتبارها تلهي عن ذكر الله؟
فقط أقول أنّ حلمي أن أحافظ على قدسية الإسلام ونشر التعاليم التربوية بين النّاس وثقافة سماحة الإسلام، لكن للأسف نحن نعيش في زمن حزين جرّاء الحقد والطائفية، وإلا فالموسيقى الإسلامية هي من الصوفية التي تنتشر في العديد من دول العالم ففي المغرب نجد الشاذلية وفي الشيشان القادرية والمولووية وغيرها فالإسلام انتشر بالصّوفية ولكنّ أصدقاءنا في السعودية لأنّ عندهم مال ونقود يريدون إلغاء غيرهم ورميهم بالشرك والوثنية، وهذا ضدّ الجمال الذي يأتي من الإنسان.
لكن ما قلته لا ينفي أنّ اختيار الإنشاد أو ما تسمّيه “موسيقى إسلامية” رغبة عند الكثير لكسب المال، هل تنفي عن نفسك ذلك؟
أصبح الإنشاد والموسيقى الإسلاميا ميدانا تجاريا يراد من ورائه الكسب وجلب الأموال ولعلّ هذا سبب آخر يجعلني أرفض فكرة تسميتي بالمنشد، أنا لا أريد بها المال وهذا منذ بدئي للأغاني بألبوم معلّم، وأيضا فأنا لا أنشّط حفلات كثيرة وليس عندي أيضا كثير ألبومات فضلا عن ذلك فأنا لا أحبّ الظهور كثيرا على الصحافة وكل ما يؤدّي للشهرة، بل أحب فقط أن أكون وسط العائلة مع قططي والذكر والكتب، صحيح لا أحد يمكنه أن يزعم بأنّه لا يحب المال فهو من ضروريات الحياة ولكن لا أريد أن أكون لا أغنى ولا أشهر شخص في العالم.
ألم تفكّر في الابتعاد عن الغناء بسبب الانتقادات الموجّه لك في خصوص استعمال الموسيقى وهو ما يعتبره البعض “منكرا“؟
أحب أن أعود بك هنا إلى بدايتي حيث كنت أعمل على الموسيقى منذ أن كنت بعمر 12 سنة في تعلّم المقامات والموسيقى الغربية وغيرها، وكنت على وشك الابتعاد عن الموسيقى قبل أوّل ألبوم لي “معلّم“، حيث بدأت أصلّي وأنا ابن 18 سنة وقررّت أن أترك تجارة الموسيقى وأن أدرس المحاماة وأن أتزوج وأعيش مع عائلتي أمام المسجد، والسبب الذي دفعني للتفكير في ترك الموسيقى ليس من باب السلفية وتحريمهم لها، ولكن كنت أفكّر في الابتعاد عن التجارة بها، إلا أنّ بعض أصدقائي أصروا عليّ أن أقوم بألبوم وبعده أتّخذ الموقف المناسب فسجّلت ألبوم “معلّم” الذي حفّزني على إتمام المسيرة.
هل حاولت مراجعة اختيارك في الحكم الشرعي لاستعمال الموسيقى ذلك أنّه ليس السلفيين فقط يقولون بتحريمها؟
صحيح أنّ في المسألة اختلاف بين العلماء ولكن الذي أعتقده أنّ عامّة هذه الأشياء مثل الموسيقى والجمال أصله التصوّف والباب الروحي، والموسيقى وجدت قبل الحداثة ووجدت مع زرياب وابن سينا ومولانا جلال الدّين الرومي وأعظم جلال الدّين البلخي شافعي فارسي سنّي والنّاس يتنفّسون القدسية بهذه الموسيقى وكل شيء يذكّرهم بالله.
لماذا تغرق أغانيك بالموسيقى ما قد يفقدها الطابع الروحي التربوي؟
إذا سمعت ألبوم معلّم ستدرك بأنّه مختلف عن كل الأغاني والموسيقى في العالم لأنّه عبارة عن موسيقى وأغاني من وحي العالم الإسلامي وتراثه، وهذا عكس ألبوم “ماي أمةّ” الذي أنتجته شركة تجارية جدّا وكانت فيه موسيقى كثيرة وتقليد كبير للغرب في أغانيه، وبالرغم من أنّه كان من أنجح ألبوماتي إلا أنّي ابتعدت عن هذه الشركة لأنّي أرفض هذا النوع الحداثي من الأغاني بل أريد أن أوصل كلمة الحق فيما أقدّمه.
ما قصدك بالحداثي؟
أنا تقليدي وأحبّ كل ما هو أصيل ومن هذا المنطلق لا أحبّ تفكير رشيد رضا ومحمّد عبده وجمال الأفغاني فهؤلاء صدموا بالحداثة، وكان من المفروض أن تكون ردّة الفعل من صميم تراثنا الإسلامي إلا أنّها كانت فقط مشاعرية عاطفية ما أدّى في الأخير إلى الاستسلام للحداثة ومن هنا ضعنا وتركنا ديننا، للأسف لو سرنا على طريقة السلف لوجدنا حداثة وحضارة بأصولنا وثوابتنا ولعرفنا كيف أنّ تكنولوجيات الغرب من علوم أعلامنا كابن سينا والرازي والخوارزمي وغيرهم من العلماء، والسؤال للمسلمين في 200 سنة الأخيرة أين دور المسجد في حياة الأمّة؟.
تعتقد أنّ هناك خللا في التفكير الإسلامي المعاصر هو الذي قاد إلى هذه النتيجة؟
لقد تركنا حضارتنا وثقافتنا، والمشكلة ليست في ديننا وإسلامنا، وإنّما المشكلة كما قلت في تفكيرنا وإلا أين العلماء والمفكّرون فقد أصبح العلماء يتحدّثون فقط عن فقه العبادة والإسلام أوسع وأكبر من ذلك، فلم يوجد من يردّ على الحداثة بحقّ وفق النظرة الإسلامية إلا القّلة النادرة كعبد الوحيد يحيى وحسين نصر وغيرهم من المعاصرين.
نسب إليك قبل سنوات قول ” لا تستغربوا إن رأيتموني أغنّي مع يهودي فأنا داعية سلام” هل ما زلت على هذه القناعة؟
لا أتذكّر أنّي قلت هذه الكلمات لكن أنا أحبّ كلّ النّاس من جميع الأديان السماوية، ولذلك قلت لك أنّي أحبّ الشيخ العلوي لأنّه يدعو إلى الحوار بين الأديان، نحن في وقت اننشر فيه التطرّف والفاشية وأصبح كل فريق يدّعي أنّه الحق المطلق وأنّ ما عند غيره غير صحيح، وهذا الفهم الخاطئ بعيد عن الإسلام الصحيح.
هل يمكن أن نراك تغنّي مع يهودي مستقبلا؟
المشكلة في الشرق الأوسط الآن أصبح ليس بإمكانهم التفريق بين منشد ومغنّ أو موسيقي فالألوان عندهم أبيض أو أسود ولا يعترفون بالمنطقة الرمادية أو الظل، وهذا بسبب ثقافة الحقد التي ولّدتها الظروف المحيطة بهم ومنها غياب العدالة في القضيّة الفلسطينية مثلا ما يجعلهم يأخذون برؤى وأقوال غير صحيحة ولا يفرّقون بين الصالح والطّالح في تعاملاتهم، فليس كل يهودي بالضرورة صهيونيا بل الصهيوني عبارة عن علماني عنصري يكره حتّى الدّين اليهودي، لهذا أقول أنا أعادي الصهاينة ولا أعادي اليهود.
هل تعتقد بأنّ للكليب الإسلامي دورا في الترويج الكبير لألبوماتك؟
طبعا فقد كنّا نستمع الموسيقى قديما في الراديو والآن أصبح الاهتمام بالفيديو، ولا شكّ أنّ الفيديو كليب ساهم بشكل كبير في نشر أعمالي.
هل تابعت مشاركة المنتخب الجزائري في المونديال خاصّة مباراته مع ألمانيا؟
بالتأكيد تابعت ذلك، وكان الفريق الجزائري ممتازا وتمنّيت أن يفوز الفريق الجزائري بكأس العالم، وأنا تابعت المباراة الجزائر ألمانيا مع زوجتي الألمانية التي كانت تشجّع فريقها وأنا مع الجزائر وكلّما وصل الشباب إلى منطقة المرمى قلت “الله أكبر“، وبعد أن رأينا النتيجة التي حقّقتها ألمانيا خاصّة مع البرازيل أستطيع أن أقول بأنّ الجزائر كان بإمكانها أن تفوز بكأس العالم وإن شاء الله يكون ذلك في المرّة القادمة.
ما الرسالة التي يمكن أن توجّهها للفلسطينين مع العدوان الصهيوني على قطاع غزّة؟ وهل يمكن أن تغنّي لها؟
حزين جدّا لما يصيب الأمّة وكل إنسان في عالم من النّفاق والمنافقين الذين يتحدّثون عن السلام وهم قادة الإجرام، وفي الوقت الذي يتقاتل فيه المسلمون في العراق ويوجّهون أسلحتهم لبعضهم البعض لماذا لا يساعدون بتلك الأسلحة إخوانهم في فلسطين، وأنا غنّيت عن فلسطين وغزّة التي تعتبر قضيّة لها علاقة مباشرة بالعدالة، وهذا الذي يريده المسلمون العدالة والتقوى بين النّاس والعيش في سلام مع بعض.
وأنت ترى كيف أنّ الغرب وأمريكا يقتلون المسلمين وفي نفس الوقت يعيّر المسلمين بالإرهاب، وقادة الولايات المتّحدة الأمريكية لا يريدون الحديث عن أسباب الإرهاب الذي ولّده غياب العدالة فهم لا يريدون للمسلمين أن يعيشوا بإسلامهم.
ماذا تقول لجمهورك في الجزائر؟
أحبّكم.. دعوتكم.. شكرا لكلّ شيء .