لسنا شحاذين!
يفترشون الطرقات والأرصفة.. يقفزون من سيارة إلى أخرى ويستجدونك “بدّك وردة؟ بدك علكة؟ الله يخليك اشتر مني”!.. أحلامهم صارت كوابيس وطموحاتهم تحجرت في زوايا مهن الشارع، ماسح أحذية أو.. تاجر مخدرات أو متسول بدرجة امتياز!
قبل ثلاثة أعوام كان التسول مجرد ظاهرة على الطرقات.. هي الحاجة؟ العوز؟ التهجير؟ النزوح؟.. لنقل إنها عند الغالبية تحولت إلى مهنة موسمية ومنهم من طورها لتشمل إلى جانب الأطفال، الأم والأب وكل معوق.. بنظراتهم التي تختزن الكثير من الخيبات والحزن وأحيانا الحقد والشر المبطن، يقفزون أمامك ويضعونك أمام خيارين:
إما شراء ما يحملونه من منتجات وبضائع إما مسروقة أو مهربة، أو إقفال نافذة السيارة وتحمًل نقرات أناملهم على الزجاج ودعواتهم وابتساماتهم الرقيقة المغمسة أحيانا بالنظرة الجريئة إلى درجة الشر، إلى أن يأتي الفرج مع الإشارة الخضراء على أحد التقاطعات.. لكن ليس نهائياً. فالتقاطع التالي سيضعك في الموقف عينه.
هذا المشهد ما عاد يتيماً، إنما معمّم على كل التقاطعات والأرصفة والطرقات وحتى تحت الجسور.. وما كان يسمى بظاهرة التسول بات وظيفة شبه رسمية في غياب أي تحرك من قبل الدولة والأجهزة الأمنية. ندخل في صلب المشهد، أو بكلام أصح في تفكيك اللوحة السريالية التي يرسمها الشحاذون على طرقاتنا.
..إن تدفق عدد النازحين إلى الجزائر وتردي الأوضاع الاقتصادية، حوّل البلد إلى بيئة حاضنة للتسول مما يشكل خطراً على الواقع الاجتماعي ويرسم خريطة اجتماعية متدهورة للمستقبل، لأن كل شحاذ ومتسول هو مشروع مجرم في المستقبل، سواء كان من النازحين أو المقيمين. فكيف إذا صحت الإحصاءات التي تشير إلى أنه أصبح لكل مواطن ثلاثة متسولين؟.. انتهى اليوم وجاء وقت الحساب. نام الشحاذون؟ غدا يوم آخر من التسول.
عيسى.ف
..نعم، يا سي عيسى، الجزائريون لم يألفوا بعض المشاهد الدخيلة والجديدة، التي صدّرتها لهم الحروب والنعرات والاقتتال الملعون بين الأشقاء الفرقاء، مثلما يحصل للأسف في سوريا وليبيا.. ودون شكّ، فإن أجمل شيء في تركيبة الجزائري، أنه لا يمنّ ولا يتشفـّى، ولذلك فإنه يحتضن أيّ لاجئ وهارب مهما كانت جنسيته وأسباب فراره!
هم فعلا نازحون وهاربون ولاجئون ومستغيثون.. وليسوا بأيّ حال من الأحوال متسوّلون أو شحاذون، وإذا مدّوا يدهم، فإن الجزائري يتعامل معهم كضيوف وليسوا كمنبوذين يمدّون أيديهم لأولاد الحلال وأولاد الحرام أيضا.. والواقع، يُثبت أن استقبال الجزائر للاجئين لن يتوقف، فالعملية واحدة من المبادئ الإنسانية غير القابلة للتنازل أو التفاوض!