الرأي

لغة الذكاء الاصطناعي هي الرياضيات وليست الإنجليزية

تعبيرية

تابعت باهتمام بالغ المقال المنشور في موقع الشروق على الإنترنت عشية 11 أوت 2026 في باب الرأي، تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي حاسم في مسألة الخيارات اللغوية”، للدكتور سليم قلالة. وإذ نثمن حرص “الشروق اليومي” على فتح نوافذ النقاش العلمي والمعرفي حول القضايا التقنية والسياسات التعليمية واللغوية المعاصرة، فإنني أجد من دواعي المساهمة في التوضيح -من باب الأمانة العلمية وتخصصي التقني- تقديم قراءة تحليلية للبنية المفهومية والتقنية التي بُنيت عليها أطروحة هذا المقال، والمساهمة في توضيح بعض النقاط.
لقد حاول الدكتور قلالة الربط بين هيمنة البيانات الإنجليزية في تدريب النماذج اللغوية الكبرى (LLMs) وبين رسم الخيارات اللغوية والتعليمية للدول، غير أن الطرح اعتمد على عدم دقة في الفهم، خلط بين “الواجهة النصية الرمزية” و”البنية المنطقية والرياضياتية” التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب عموما.
البرمجة وصناعة الشرائح النانوية وحوسبة الذكاء الاصطناعي ليست امتدادا لقواعد اللغة الإنجليزية، بل هي رياضيات تطبيقية وبنى منطقية مجردة وخوارزميات، وأشياء أخرى؛ إذ تُترجم الكلمات إلى قيم عددية (Tensors) لا جنسية لها ولا لغة. ولو دخلنا في قلب الذكاء الاصطناعي لمعرفة اللغة الحقيقية التي يستعملها، فهي الرياضيات. هل يعلم القارئ، بأن الرياضيات تُعرَّف بأنها لغة العلوم، وأبجدية الرياضيات هي الأرقام، وعددها في النظام العشري هي عشرة: 0-1-2-3-4-5-6-7-8-9. أما في النظام الثنائي (Binary) فهما رقمان فقط: 0-1، فمثلا رقم 2 في النظام العشري يكتب 10 في النظام الثنائي، والرقم 3 في النظام العشري يكتب 11 في النظام الثنائي. أما النظام الأكثر استعمالا في المعلوماتية فهو النظام هيكزاديسمال(Hexadecimal ) أي ستة عشر عددا، وهي: 0-1-2-3-4-5-6-7-8-9-F-E-D-C-B-A، فمثلا العدد 10 في النظام العشري يكتب A في النظام 16.
1. البنية الظاهرة للمقال (الظاهر المسبوك بمهارة)
من الناحية الأسلوبية، المقال مكتوبٌ بلغة رصينة تُعطي انطباعا بـ”الواقعية والبراغماتية”. يبتعد الكاتب ظاهريًّا عن الشعارات العاطفية، ويستشهد بمفاهيم تقنية حديثة ومجالات متقدمة لجعل الطرح يبدو علميا وموضوعيا:
• يستشهد ببيانات وأرقام (مثل نسبة 90% من الـTokens بالإنجليزية).
• يذكر أسماء نماذج ومؤسسات ومراكز أبحاث عالمية (EuroLLM-22B، Zhongguancun، مجلة Physical Review Letters، حاسوب Zhongzhi 3.0).

الجوهر الفعلي لعلم البيانات والذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالقواعد اللغوية البشرية، بل يرتكز كليا على الرياضيات، والجبر الخطي، والبنى المنطقية المجردة، فالغالبية العظمى من العباقرة والخبراء الذين طوروا ويثورون عالم الرقمنة عالميا لم ينطلقوا من تمكُّنهم من اللغة الإنجليزية، بل من تفوُّقهم المتخصص في الرياضيات والعلوم الدقيقة.

• يقرّ بأن الهيمنة هي بسبب “تفوُّق ذاتي للغة الإنجليزية” وبسبب “حجم البيانات المرقمنة والمصنَّفة”.
تمنح هذه السلسلة من الاستشهادات المقال غلافا من “السلطة العلمية”، إذ تجعل القارئ غير المختصّ يتقبَّل النتيجة النهائية كحقيقة لا جدال فيها.
2. الجوهر والعمق: المغالطات التقنية والمفاهيمية
عند نفاذ الفحص إلى العصب التقني والمفهومي للمقال، تنكشف ثغراتٌ جوهرية ناتجة عن النظر إلى التكنولوجيا بعيون “أكاديمي إعلامي/ لغوي” وليس بعيون “مهندس حاسوب أو متمكِّن في الرياضيات”:
• خلط الشكليّات بالجوهر (الإنتروبيا والرموز مقابل المنطق): الكاتب يبني حجته على أن 90% من الـTokens بالإنجليزية، ويعتبر أن التنافس يجري على الـ10% المتبقية. المغالطة هنا هي التعامل مع الـTokens وكأنها “لغة بشرية ثنائية التفكير”. النماذج الذكية تُعالج المفاهيم الرياضية والمنطقية المجرّدة (Embeddings) عبر مصفوفات وأرقام؛ ومن ثمّ فالنموذج الذي يتعلم المنطق والبرمجة والرياضيات لا يتعلم “قواعد لغة إنجليزية”، بل يستوعب “بنية تفكير”.
• المغالطة الضمنية حول لغات البرمجة والتكنولوجيا: يتحدث المقال عن “التكوين في المجال التكنولوجي” و”صناعة الشرائح والبرمجة” وكأنها امتدادٌ مباشر للتمكن من اللغة الإنجليزية. هذا يُسقط في السطحية الشديدة؛ فمهندس الشرائح النانوية أو مبرمج الذكاء الاصطناعي يستعين بكلمات لها علاقة بالانجليزية، ولكن في كثير من الأحيان المتمكن من الإنجليزية لا يفهمها، لأنها عبارة عن كلمات رمزية (Syntax)، لكن أداته الحقيقية هي الرياضيات والتفاضل والجبر الخطي والخوارزميات والفيزياء…
• إسقاط الاستشهاد الصيني عكس مقصوده: الكاتب يستشهد بنشر الصين لبحث الحاسوب الكمومي Zhongzhi 3.0 في مجلة أمريكية بالإنجليزية كدليل على حاجتنا للإنجليزية. لكنه يتجاهل الحقيقة الأهم: فالصين لم تصل إلى تصنيع هذا الحاسوب لأنها تعلَّمت الإنجليزية، بل لأنها أتقنت الفيزياء الكمومية والرياضيات، والخوارزميات..! فاستخدام الإنجليزية كان مجرد “أنبوب توصيل ونشر” (Publishing Channel)، بينما البنية التحتية والعقول بُنيت بالعلوم الدقيقة بلغتهم الوطنية. وليعلم القارئ بأن الباحث عندما يريد نشر بحثه وانجازه في مجلة علمية ما، فعليه أن يستعمل اللغة التي تنشر بها.. فمثلا لو أردتُ أن أنشر بحثي العلمي في مجلة علمية روسية، يتحتم عليَّ أنا الجزائري أن أنشره باللغة الروسية، أو في مجلة علمية ألمانية باللغة الألمانية، ويتحتم علي أن أترجم عملي من اللغة العربية إلى اللغة الروسية أو الألمانية أو أي لغة أخرى…
3. المقصد والوظيفية (الغاية الأيديولوجية والسياسية)
تتضح غاية المقال عند الربط بين مقدِّمته العريضة حول الذكاء الاصطناعي وخاتمته:
• الوصول للنتيجة الحتمية: المقال يستعرض عضلات تقنية معقدة في البداية ليصل إلى نتيجة حتمية صريحة: “معنى هذا أن أي رؤية مستقبلية في المدى المنظور لأي تكوين في المجال التكنولوجي والرقمي والذكاء الاصطناعي، لا يمكنها الاستغناء عن اللغة الانجليزية”.
• التسويغ الأيديولوجي: المقال صيغ لتأطير أو دعم توجه سياسي وتربوي محلي (مثل منح الأسبقية للإنجليزية في المنظومة التعليمية على حساب الفرنسية مثلما هو الحال عندنا اليوم) بعيدا عن نقاش تربوي أو لغوي خالص، بل بإضفاء “حتمية تكنولوجية” (Technological Determinism) تزعم أن الذكاء الاصطناعي هو من يفرض هذا الخيار.
• التبسيط الضارّ للتنمية التكنولوجية: الخطورة الكبرى في هذه الطروحات هي إيهام الرأي العامّ وصناع القرار بأن “المفتاح التكنولوجي هو اللغة”، بينما الحقيقة أن مفتاح النهضة التكنولوجية هو إصلاح تعليم العلوم الدقيقة والرياضيات وبناء مراكز البيانات.
كما لم يوفق الدكتور سليم قلالة في اختيار عنوان مقالته: “الذكاء الاصطناعي حاسمٌ في مسألة الخيارات اللغوية”، ولا في الأطروحة التي حاول بناءها عليه؛ إذ انطلق من فرضية غير دقيقة تفترض أن التطور الرقمي وطفرة الذكاء الاصطناعي يتكلمان “الإنجليزية” بطبعهما، وبنى عليها دعوته لتفضيل الإنجليزية في المنظومة التعليمية.
إن الجوهر الفعلي لعلم البيانات والذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالقواعد اللغوية البشرية، بل يرتكز كليا على الرياضيات، والجبر الخطي، والبنى المنطقية المجردة، فالغالبية العظمى من العباقرة والخبراء الذين طوروا ويثورون عالم الرقمنة عالميا لم ينطلقوا من تمكُّنهم من اللغة الإنجليزية، بل من تفوُّقهم المتخصص في الرياضيات والعلوم الدقيقة.
ويُعدّ العالم والمخترع الجزائري بلقاسم حبة خير شاهد ومثال حي على هذه الحقيقة؛ إذ لم يذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتحضير الدكتوراه وهو يتقن اللغة الإنجليزية، بل ذهب وهو يتحدث لغة العلوم والتفكير المنطقي التي صقلها في تكوينه الأصلي بالجزائر، وهي الرياضيات، فالتمكن العلمي والرياضياتي هو ما فتح له أبواب الابتكار العالمي، بينما كانت اللغة الإنجليزية مجرد أداة تواصل إضافية اكتسبها لاحقا بحكم الإقامة والعمل.
ومن ثمّ، فإن ربط النهضة التكنولوجية وتطوير الذكاء الاصطناعي بخيار لغوي شكلي هو إسقاطٌ للمظهر على الجوهر؛ فالمفتاح الحقيقي لبناء التكنولوجيا ليس استيراد لغة التواصل، بل العودة إلى جودة التعليم في الرياضيات منذ المراحل الأولى من التعليم، أي منذ السنة أولى ابتدائي.

مقالات ذات صلة