لقاء ابو مازن _ أوباما.. والاحتمالات..
من المقرر أن يلتقي الرئيس الأمريكي أوباما، بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في واشنطن يوم الاثنين في السابع عشر من الشهر الجاري، وذلك ضمن خارطة عمل وضعها البيت الأبيض في سياق محاولاته لتمرير مشروع اتفاق الإطار، الحلقة الجديدة من سلسلة المشاريع المتعاقبة التي طرحتها الإدارة الأمريكية على مدار عدة عقود، والتي تهدف بشكل أساسي إلى محاولة تفكيك عناصر وركائز القضية الفلسطينية التي تطعن بوجود دولة الاحتلال الصهيوني الاستعماري..هذا وكان الرئيس أوباما قد التقى في بداية هذا الشهر بالرئيس نتنياهو الذي صرح عقب هذا اللقاء بشكل يعزز ما صرح به قبل ذلك وهو أمر متوقع بطبيعة الحال.
هناك العديد من الأسئلة الباحثة عن أجوبة حول هذا اللقاء، لاسيما وأن لقاءات كيري وزير الخارجية الأمريكية كانت متواصلة مع القيادة الفلسطينية، ومع عوامل الضغط العربي على هذه القيادة، ومن تلك الأسئلة: ماذا يريد البيت الأبيض من هذا اللقاء مع الرئيس محمود عباس وبالذات بعد ما قضمت إسرائيل عمليا كل ما تبقى للفلسطينيين من حقوقهم التاريخية والثابتة، هل يريد أوباما تشريع ما فعلته دولة الإحتلال، بانتزاع الموافقة الفلسطينية على خطوات الإحتلال..
ثم ماذا يريد الرئيس أبو مازن من هذا اللقاء، وهنا أيضا لن تكون النتائج خارج التوقعات، حيث أن كل الأنظار في الإطار الوطني سوف تتركز حول موقف أبو مازن، هل يبقى صامدا متمسكا بالثوابت كما وعد أم يتراجع، نقول ذلك ونحن نلتمس مدى الضغوطات التي تتعرض لها القيادة الفلسطينية على أكثر من صعيد وبالذات من قبل الثنائي الإسرائيلي الأمريكي إضافة للأوروبيين في حدود معينة، إن الذي يطالب به القادة الصهاينة هو بالضبط ما يطالب به أوباما، وأي اختلافات لن تتناول جوهر الأشياء، من اشتراطات نتنياهو.. هو ربطه للتوقيع على الاتفاق مع الفلسطينيين بإلغاء حق العودة للاجئين وكذلك الاعتراف بيهودية الدولة إضافة إلى باقي القضايا المفصلية، وهو ما يحتويه مشروع اتفاق الإطار تبعا للفهم الإسرائيلي، هكذا نجد أن سيد بيت الأبيض سوف يمارس ضغوطاته على الرئيس الفلسطيني من أجل الإقرار بورقة إتفاق الإطار، لأن المعادلة التي تحكم الموقف الأمريكي عندما تكون إسرائيل هي العقبة أمام موقف ما يتم الضغط بكل أشكاله على الوضع الفلسطيني بوجهة تقديم التنازل عن شيء من حقوقه، وبالمناسبة فإن هؤلاء الاستعماريين أعداء مصالح شعوبنا يتعاطون مع قضايانا من منطلق أنهم أسياد العالم وقادته وقدره، بالتالي يتوجب أن يطاع كلامهم خدمة لمصالحهم فقط حتى إذا اقتضى الأمر سحق شعوب بأكملها، فكيف يكون الحال إذا تعلق الأمر بدولة الاحتلال..انظروا كيف تعاملوا مع الروس ومع الرئيس بوتن في سياق الأزمة الأوكرانية، إنها صيغة الأوامر، وفرض العقوبات الفورية وكأنهم أمام بلد من بلدان العالم الثالث.
إن الثنائي الأمريكي الإسرائيلي يحاول استثمار أولا: حالة الضعف الفلسطيني بتجلياته المختلفة، الانقسام، تشتت المواقف، فقدان الوحدة، ثانيا: حالة التمزق العربي، وانكفاء العديد من أقطاره إلى أوضاعها الداخلية، حيث زرعت المشاغلة الداخلية الدموية بفعل المخطط الخارجي بشكل أساسي، ومن زاوية أخرى نجد أن دولة الاحتلال تراهن إلى أبعد الحدود على الدعم الأمريكي، وبشكل أو بآخر على الدعم الأوروبي بالرغم من حرص الرئيس الفلسطيني في الأيام الأخيرة على تأكيده التمسك بالثوابت الوطنية، لكن خارج ذلك هناك عوامل تسبب الضعف في الموقف:
أولا: كان يؤمل في مثل هذه المحطات أن يتسلح الرئيس أبو مازن بموقف فلسطيني موحد يتكئ عليه في مواجهة ضغوطات البيت الأبيض، لماذا لم يلجأ الرئيس إلى عقد اجتماع موسع للقيادة الفلسطينية لكل القوى، وإن تعذر ذلك لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، “للجنة التنفيذية والمجلس المركزي” بدلا من الاعتماد على الموقف الشخصي، فالأمر معني به جميع مكونات شعب فلسطين، وليس حركة فتح فقط. هناك فرق بين الذهاب للقاء أوباما وهو أي الرئيس أبو مازن حاملا موقفا موحدا، وبين أن يذهب كرئيس فقط متسلح بموقفه الخاص، بغض النظر عن تقييم هذا الموقف.
ثانيا: افتقاد أية شكل من أشكال المقاومة ذات التأثير على معادلة التوازنات ولو بشكل محدود، لكنها تشير نحو إمكانية التصعيد والتنامي، إنه إحدى أهم سمات أية حركة تحرر وطني، إن تعرية المفاوض الفلسطيني من عوامل الإسناد يضعه دوما في موقف غير مؤثر لأنه يواجه خصم يعتمد على القوة العكسرية لفرض قراره وقد حول ذلك الى مسلك ممنهج.
ثالثا: الانقسام الداخلي الذي أصبح في غنى الحديث عن تداعياته الكارثية، فبالرغم من حرص طرفي الانقسام على التمظهر بالحرص على تجاوز الانقسام وإنجاز المصالحة الوطنية إلا أن ما يحصل على الأرض عكس ذلك، بل بتنا نتلمس مسعى هذا الطرف أو ذلك استخدام نتائج التطورات التي تعيشها بعض بلداننا العربية ضد الطرف الآخر، والبناء عليها لتعزيز أطروحاته في حين تكون القضية الوطنية وشعبها هما الخاسران، أيضا هناك العامل الخارجي الذي يدفع باتجاه مفاقمة الانقسام من أجل توظيف نتائجه لصالح أهدافه.
مؤشرات متضاربة: ليس بتلك البساطة والخفة اتهام الرئيس الفلسطيني وبشكل مسبق بالخيانة أو بالتفريط بالثوابت، لأنه والحالة هذه يفتقد الى الموضوعية والتجرد، بل إن أبو مازن نفسه كان قد تحدث في اجتماعه بالمجلس الثوري لحركة فتح يوم 10 / 03 / 2014 : “لن يخون شعبه بعد هذا العمر، 79 سنة” وكذلك ما تضمنته كلمته أمام الشبية الفتحاوية يوم 7/ 03 / 2014، “هنا نسأل سيادة الرئيس، هل هذا الأمر مرتبط فقط بهذا المحيط التنظيمي دون مصارحة ما هو أوسع من ذلك وطنيا..”
لكن من الوجهة المقابلة هناك مواقف قد صدرت عن الرئيس تتعارض مع تأكيداته تلك، فمثلا:
1-ما تضمنه حديثه في لقائه مع 300 طالب من الجامعات الإسرائيلية في 17/02/2014 حيث وصف حق العودة للاجئين الفلسطينيين بالدعاية، ما نصه “هناك دعاية تقول إن أبو مازن يريد أن يعيد إلى إسرائيل 5 ملايين لاجئ لتدمير إسرائيل..هذا الكلام لم يحصل إطلاقا..لن نسعى أو نعمل على أن نغرق إسرائيل بالملايين لتغيير تركيبتها السكانية، هذا الكلام هراء” بعد هذا الموقف لماذا يتم بحث حق العودة على طاولة المفاوضات طالما هناك موقف من هذا القبيل، وماذا تريد الإدارة الأمريكية أكثر من ذلك.
وفي سياق متصل تكلم الرئيس الفلسطيني مع الطلبة الإسرائيليين عن رأيه فيما يتعلق بالطلب الإسرائيلي حول يهودية الدولة حيث خاطبهم قائلا نصا: “إنه إن أرادت إسرائيل أن نعترف بيهودية الدولة فليذهبوا إلى الأمم المتحدة، وليطالبوا بقرار دولي وعند ذلك نحن سننصاع له”. والحديث بالحديث يذكر: لماذا لغاية الآن لم تذهب دولة فلسطين بعد إقرار عضويتها كدولة مراقبة في الأمم المتحدة من قبل الجمعية العامة يوم 29/11/2012 للانتماء إلى عضوية المؤسسات الدولية التابعة للهيئة الدولية ومنها محكمة الجنايات الدولية وبالتالي يتاح للقيادة الفلسطينية فرصة ملاحقة القيادة الإسرائيلية الصهيونية كمجرمي حرب في تلك المؤسسات وليس عرض عليهم تلك النصيحة.
2- لجوء الرئيس أبو مازن بين الفينة والأخرى بالكلام عن نيته في اللجوء إلى استفتاء شعبي شامل تجاه الاتفاق الذي قد يبرمه مع الإسرائيليين، هنا نسجل الملاحظات التالية:
أ-هناك تساؤل يتصل بهذه الفكرة والرأي: لماذا هذا الاستفتاء إذا كان هذا الاتفاق قد تم على قاعدة المحافظة على الثوابت الفلسطينية: حق العودة، القدس..الخ.
ب- ثم هل يعقل أن يستفتى شعب فلسطين حول ثوابته وحقوقه بعد هذه العقود الطويلة متحملا كافة أنواع العذاب مقدما قوافل الشهداء من أجل المحافظة عليها، هل مطلوب من المواطن الفلسطيني أن يقول نعم أو لا حول هويته الوطنية وانتمائه لأرضه..الخ
– بعد ذلك أو قبله هل يكون الاستفتاء “شاملا” كما قال الرئيس، أي يشمل كافة أماكن تواجد شعب فلسطين، أليس هناك انقسام سياسي جغرافي بين الضفة وغزة، أم أن القطاع قد أصبح خارج المعادلة وفقا لمشروع اتفاق الإطار الأمريكي قيد التداول، ثم ماذا عن فلسطينيي الـ48، هل يصار إلى تجسيد شطبهم من خارطة شعبهم وهم من دفع ثمن المحافظة على هذا الانتماء الوطني، ثم ماذا عن فلسطينيي الجوار قبل الشتات..بالتالي فإن في حالة الوصول الى منعطف الاستفتاء بهذه الوجهة الشيء الذي لا نتمنى الوصول إليه، سيكون الجزء الفلسطيني المتبقي من الضفة الغربية هو المعني عمليا بهذا الاستفتاء فهل حديث الساحة الوطنية على طول مساحة وعرض مراحل الثورة الفلسطينية المعاصرة، عن المشروع الوطني، والبرنامج المرحلي، وصولا إلى حل الدولتين..الخ. ثم سوف يتم اختصاره على جزء من أراضي الضفة الغربية.
إن الموقف الفلسطيني بالضرورة يستند إلى مفاعيل القضية الوطنية التحررية العادلة، بالتالي إلى صمود يصعب وصفه وتضحيات متواصلة من جمل المحامل شعب فلسطين، وفي مقدمة صفوفه الحركة الوطنية بكل فصائلها وتياراتها تحت رايات منظمة التحرير الفلسطينية وقبلها.. إن الثنائي البغيض الأمريكي الصهيوني يدرك تماما لمقومات هذه المعادلة بالتالي يحاول بكل الوسائل شطب تلك الانجازات التي تسجد مفاعيل النضال التحرري العادل، ولن يكون بعيدا عن ذلك محاولاته لاستدراج الوضع الفلسطيني من أجل إغراقه في دوامة المفاوضات العبثية تحت إشراف الإدارة الأمريكية على حساب الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة بحقوق شعب فلسطين ولن تكون الأهداف الأمريكية من اللقاء مع الرئيس أبو مازن بعيدة عن ذلك.
في الاحتمالات: إن العلاقة مع الإدارة الأمريكية لم ينتج عنها إلا قهرا وهدرا للحقوق والكرامة، ويتجسد ذلك في أنواع الضغوط التي تنزل على رأس القيادة الفلسطينية وعلى مجمل الوضع الفلسطيني، هنا لا نطالب بإدارة الظهر لأمريكا، لأن ذلك كما يبدو من المستحيل، بالمقابل كيف يمكن إفشال هذه الحلقة من سلسلة المخطط الأمريكي لتصفية القضية الفلسطينية:
أولا: هل يقبل الرئيس أبو مازن ببنود إتفاق الإطار أي التنازل عن حق العودة، والقدس، وعن موضوعات الاستيطان..إلخ عدى عن يهودية الدولة، أو القبول بأي صيغة تؤدي إلى ذلك يبدو أن الإقرار بهذا الاحتمال غير وارد، فهو الذي قال: لا أريد أن أختم حياتي بعد عمر 79 سنة بخيانة شعبي.
ثانيا: هل يرفض ما هو مطروح أمريكيا جملة وتفصيلا، وبالتالي يستجيب لنبض الشارع الفلسطيني ويقلب الطاولة، أيضا إنه أمر صعب، لأنه سافر لواشنطن وهو مطوق بالضغوطات الاقتصادية والسياسية والأمنية..من الأطراف الإقليمية قبل الأمريكية والأوربية. ثالثا: هل تكتفي إدارة أوباما بتحقيق إحدى النقاط الأساسية في هذه الجولة أو التوطئة لها باستمرار المفاوضات وتمديدها لفترة أخرى مع صناعة إخراج تضليلي محاط بالدخان، بحيث يحجب الرؤية عن جوهرها، ويجهض ردات الفعل الوطنية المتوقعة وبالذات في الإطار الفلسطيني، وهل تكون هذه النقطة خاصة بحق العودة.
ثالثا: هل يحاول الرئيس الفلسطيني الإفلات من هذه المصيدة الأمريكية الإسرائيلية، باللجوء للمخارج المطاطية مثل أجوبة اللعم التي تحمل عدة أوجه ثم يكتفي بالموافقة على تمديد المفاوضات، معتقدا أنه أبعد الاختراق النهائي للموقف الفلسطيني.
من المؤكد أن مخطط الاحتلال لن يتوقف سواء وافق أم لم يوافق، فالتوسع الاستيطاني مستمر، وتهويد القدس الشرقية بلغ مرحلة اللاعودة بالنسبة لدولة الاحتلال، بالترافق مع رفض حق العودة، والضغط بإقرار يهودية الدولة..إلى آخر باقي النقاط.
إذا يكون الخيار الوحيد المطروح أمام الكل الفلسطيني والممر الإجباري هو:
-تحقيق الوحدة الوطنية على أساس سياسي وطني وبلورة موقف واحد.
-تفعيل كافة أشكال المقاومة وتشكيل أطرها المحددة مع تبنيها من قبل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
-الإعلان عن فشل خيار المفاوضات وتحميل دولة الاحتلال المسؤولية عن ذلك والانسحاب منها.
-إعلان التعبئة العامة في صفوف شعب فلسطين وقواه المختلفة والزج بكل الإمكانيات والطاقات ضمن هذا المنحى.
-الطريق إلى ذلك: حوار وطني شامل يتجاوز الواقع الراهن، ومناقشة كافة العناوين، بما في ذلك الإجابة الواضحة على السؤال المحوري، هل حل الدولتين أو المشروع الوطني لازال قائما أو ممكنا على ضوء السياسة الإسرائيلية الأمريكية ولماذا لا يعاد تبني: الدولة الديمقراطية على كامل تراب فلسطين التاريخية، يتساوى بها جميع مواطنيها دون التمييز على أساس الجنس أو الدين أو العرق.
وصولا إلى السؤال المحوري أيضا: هل تبقى السلطة الوطنية الفلسطينية بواقعها الراهن وبوظائفها التي جرى تحديدها وفق اتفاق أوسلو 1993 وما نتج عنه من اتفاقيات وفي مقدمتها الوظيفة الأمينة التي تطلبها إسرائيل ثم إدارة شؤون السكان وإزاحة هذا الحمل عن الاحتلال أيضا…