لقاء سعد الله… حكاية درس لن يُنسى
دامت لشهور متوالية مطاردتي له، وإلحاحي عليه، وترددي على كل مكان يكون فيه، واستعمال الوسائل للتأثير فيه، لعلي أحصل على موافقته التي طالما تمنيتها أن تكون، لكنه في كل مرة كان يرفض بأدب، ويمتنع بحياء، ويتهرب بدبلوماسية راقية، ويبحث عن المبررات والحجج، لكي يتجنب الموافقة، وفي كل مرة كان يحرص على ألا يصيبني بصدمة الرفض المباشر، ويسعى إلى إبعاد طلبي من طريقه بأرقى الأساليب، وأجود السبل، وعندما قطعت عنه كل طريق، وأفسدت عليه كل مجلس، أوصلتني الظروف إليه، قال لي بصراحة وبصوته الشجي النحيل، (لا تتعب نفسك، وأرحها من عناء المحاولة، أنا لي يمين لا أحنث به، لقد أقسمت ألا أدلي بأي حوار لأي وسيلة إعلامية مهما كانت، وهذا قرار لا رجعة فيه ولن أحنث.
استثناء البداية
جوابه الحاسم، وتمسكه به، كان بمثابة الصدمة التي فتحت أمامي سلسلة الأسئلة التي لم ينته توالدها، وأنا الذي كنت أراهن على مشروع ثقافي يطمح إلى النوعية والاستثنائية يستكمل جميل تراكمات ما سبق، فمشروع (ضيف الثالثة) حرصت على أن يكون أبو القاسم سعد الله وأربعة أسماء أخرى من شموع هذا الوطن في هذا العصر من ضيوفه ليتوجوا أهدافه التي رسمتها له منذ البداية، وأهمها صناعة قيم الاحترام الثقافي والفكري، وبناء السلوك الحضاري في العالم الجديد.
ورفضه المستميت يفضح تلك الصفحة المؤلمة فينا، فالآخرون يستنزفون تاريخنا، ويهربون هويتنا، ويستثمرون في إنجازاتنا، ويبنون بعباقرتنا الثروات والأمجاد بأسهل التكنولوجيات المتوافرة وأعقدها منسجمين مع عصرهم، وأجيالنا الجديدة تتابع تاريخها وهويتها تبث وتنشر لدى الآخرين، وهويتنا يرسمها من ليس من أبناء البلد، ونحن نتبختر في إنتاج التخلف والإحباط واليأس.
تطاول السنين
وبعدما كاد اليأس يتسلل إلى أعماقي، ويقنعني باستحالة إنجاز اللقاء، وعلى غير موعد سابق ساقني القدر إلى الالتقاء به في مدينة قسنطينة التي كان متواجدا بها للمساهمة النوعية، كما هي عادته في ملتقى دولي، فكررت المحاولة، واستعنت بظروف الملتقى لأجد نفسي في مواجهة رفض أقوى وأعلى من الذي سبقه ، لكنني استجمعت كل ما أملك من إمكانات الإقناع، وحضـّرت أدواتي التقنية في ظروف تصوير سيئة وصعبة.
وما أعلمه هو أن تمنع الرجل من اللقاءات الصحفية نابع من سببين، أولهما إدراكه العميق لأبعاد العملية الإعلامية ودورها في التاريخ وقدرتها الرهيبة على التأثير في الوعي الاجتماعي، والمتطلبات الرهيبة التي تفرضها على من يتورطون في الدخول في أتونها وهو الإدراك الذي يعي سعد الله جيدا أننا لم نعد له عدته، ولم نأخذه بعين الجد والتقدير، ولم نحضر له إمكاناته الفكرية والنفسية المناسبة، وإصرارنا المستميت على السير في طريق التخلف والغرق في أوحال الانحطاط بالرغم من مرور الأيام وتطاول السنين.
وثانيهما تعرضه لسلوك أحمق ومتعجرف كما جرت العادة من أحد الدخلاء والمغشوشين في عالم الممارسة الإعلامية، ما جعله يترفع عن الانخراط في مستنقعاته حتى يحفظ كرامته ويصون هيبته، وهو الذي خبر المشهد الإعلامي الثقافي، وعاين أمراضه المزمنة، وتجرع الألم ما جعله يتخذ من المواقف ما يناسب حجم عبثيته.
الامتحان العسير
عندما هممت بمباشرة إنجاز اللقاء وجدت نفسي ودون أن انتبه أقع في فخ المستجوب، وليس الذي يطرح الأسئلة، ودون سابق إنذار منه شرع أبو القاسم سعد الله في امتحاني، فأمطرني بسيل من الأسئلة استخدمها كآخر محاولة للتملص من التصوير، لتتمحور أسئلته حول ماذا قرأتَ من كتبي، وعن تواريخ صدورها والدُور التي نشرتها، وما اطلعت عليه من مقالاتي، وغيرها من الأسئلة، ولما أنقذتني ذاكرتي المتآكلة تحت سطوة ترهل العمر انتقل إلى الأسلوب الثاني ملوحا بأسئلة أخرى تعلقت بنوع الأسئلة التي حضرتها لتكون موضوع اللقاء، وكلما عرضت عليه سؤالا طلب الثاني باحثا عن الفائدة المرجوة منه، والهدف المراد تحقيقه.
وفي لحظات الامتحان العسير، جال بخاطري ما نتخبط فيه من أدران التخلف، وعبثية السلوكات، التي تدفع الممارسين للإعلام الثقافي منه على وجه الخصوص، للعبث بمقدسات المهنة، ويدوسون يوميا على كرامتها، فمن دون سابق إنذار تجرى الحوارات، ومن دون معرفة حقيقة بخلفيات المواضيع والأحداث، تنشر وتبث الأخبار، وبسرعة البرق تلمع الأسماء، وبكل عنجهية تهمش وتقصى الجودة والنوعية، ويختفي الإبداع وتزول الجودة، ويتهافت من يسمون أنفسهم زورا بالمثقفين، على أضواء الإعلام، ويتبجحون بكل وقاحة على الظهور دون أن يكون فيهم قلة حياء، أو نزر من شهامة، يتحدثون في كل شيء، ولا يقولون شيئا، وكم تمنيت لو ندخل جميعا ممن هم في ساحة الإعلام الثقافي، تحت وطأة هذا الامتحان، الذي مررت به علنا لنتعافى من بعض أسقامنا.
لذة زبائنية
إلى غاية آخر دقيقة، من مسلسل محاولاته التملص من اللقاء، وحلقات إصراري على الوفاء بدين قديم في ذمتي، تجاه أمثاله، اشترط شرطا، لعله يكون اعتماده في تحقيق ما أكرهته عليه، فلطلب أن يبث كلامه كاملا، دون أن ينقص منه شيء، ولا تحذف من الحوار كلمة واحدة، وبقدر ما كان يحرص على تنفيذ شرطه، الذي لم تكن غايته حرفيته، ولا شكليته الظاهرة، بقدر ما كان يستخدمه حجة، للتحلل من الظهور، لأن سعد الله كان تحت التزامات أخلاقية وأدبية نادرة اليوم، تفرض على المثقف أن تكون وجهة نظره، ومواقفه كاملة، غير منقوصة بعيدة عن التلاعب والاجتهادات، وأنه هو من يتحمل مسؤولية إنتاجها، وعليه أن يبلغها بطريقته وأسلوبه الخاص، لمن يهمه الأمر من الرأي العام، دون أن يعتمد على قدرات الآخرين في التعبير عنها، مهما بلغت مستويات من يعتمد عليه في تلك المهمة.
في تلك الأجواء، تزاحمت عليا كثير من المشاهد والسلوكات، التي أعيشها يوميا من جحافل النخب المغشوشة، ومن يناصرها، التي استسلمت للريوع، واستسهلت فتاتها، وهي تقدم يوميا أكثر مما تملك، على أمل أن يتم التكرم عليها بفضل الخدمة الدنيئة، والقيام بالواجبات العفنة، جاعلة نفسها ضحية زبائنية ضحلة، تدفع تكاليف الولاء الباهظة، ولا تنال سوى قليل الريوع، التي تلوث كرامتها، وتسلبها إنسانيتها، وتلوث صاحبها حد القذارة.
الصورة المشوهة
تكرم العلامة سعد الله أبو القاسم بالاتصال بي، وقد بادرني باللوم والعتاب الرقيق، قائلا أني ورطته في الظهور، وأن الكثيرين هم الذين اتصلوا به، واقلقوا خلوته واخترقوا راحته، وقد شاركته نفس الموضوع، وأشهد أني تلقيت أكثر الاتصالات في عددين أو ثلاثة من البرنامج، حتى فقدت بطارية هاتفي قدرتها على مقاومة توالي الاتصالات، المعاتبة على قصر مدة اللقاء والمطالبة على أن تكون سلسلة طويلة، مع أبو القاسم سعد الله، علنا نرتقي إلى تدوين التاريخ الوطني، عبر الوسائط الإعلامية الاتصالية الحديثة.
عندها فهمت كيف يكون الإنسان إنسانا، ويبتعد عن دائرة الشخص فيه، عندما يراهن على الاحترام ويناضل من أجله، متجاوزا كل إغراءات الإعجاب، وأن الدخول في قلوب الناس، وكسب مودتهم ليس بالأمر اليسير، فدونه نزوات النفس، وعفن الواقع، وتخلف الذوق، وتقاصر الهمم.
وعندما حاولت أن أثير فيه عبر أسئلتي موضوع التاريخ الثقافي، وجدت منه استجابة مستفزة وتصورا يغري بالاقتحام، ومن إجابته، فهمت لماذا كان سعد الله الوحيد الذي تورط في التاريخ الثقافي، وعجز غيره عن الاقتراب منه، لأن الأمم تقاس قيمتها وتمتلك قدرات الانخراط في المستقبل، بقدر ما عندها من وعي حقيقي بهويتها الثقافية، وقدراتها في الاستثمار النوعي فيه.
وقد عجزت النخب الجزائرية عن مقارعة سعد الله، في مغامرته في التاريخ الثقافي، فانتقل به إلى الخارج، ليطبعه وينشره، لينتصر على ما يسمى وهما، مؤسسات تستهلك الأموال خيالية، وتضم جحافل الأفراد، من قيادات النخب المغشوشة، التي يفترض أن مهمتها تسويق صورة الجزائر في الخارج، والتي تمكنت من تشويه صورة البلاد، في أذهان الآخرين، ونجح سعد الله بمفرده، في تعريف الآخرين بالبلاد، وتحبيبهم فيها، ودفعهم إلى الاهتمام بها.
الانخراط في التاريخ
لقد كان الحوار في غاية الأناقة، وفي قمة روعة المعنى، قال فيه سعد الله، خلاصة مسيرته، وعبر عن نتائج جهوده، دون أن يخفي مرارة الألم، التي توارت في نفسه سنوات، إلا أن شهامته ورفعة نفسه، جعلته يتحدث مع الأجيال القادمة، التي سيكون سعد الله صديقها الوفي، ومنه تتعلم كيف تراهن على كسب الاحترام، وكيف تنقذ نفسها، وتحصل على الانخراط في التاريخ، عبر ما تتركه من خلفها من انجازات.
وقد أدركت اليوم، لماذا ترفعت الهيئات الثقافية على مجرد إعلان تعزية، عند رحيل سعد الله، ومارست الإهمال البارد، والتجاهل القاتل، للتعبير عن مستواها الحقيقي، وموقفها الصارم منه، ومن أمثاله، وإن كان الراحل الطاهر وطار، قد نشر مراسيم جناته حيا، فإن سعد الله، رق لحلنا، وستر عوراتنا، بوصيته الأخيرة.