“لقطيع” ..أسرار وطقوس غريبة حيّرت الأطباء وأبهرت المرضى
يتحدث عنهم الناس ويتناقلون أخبارهم، يقصدهم المرضى من كل مكان، فاقت شهرتهم الأطباء وحتى الجراحون، منهم من تمكن من علاج أسقام عجزت عن تشخيصها المستشفيات، يعتمدون على طقوس غريبة في العلاج تنوّعت بين الدجل ..الشعوذة والطب البديل، امتهنوا مهنة “لقطيع” التي لا زالت تطرح جدلا واسعا في المجتمع الجزائري لما تتضمنه من أسرار وطقوس غريبة في العلاج.
-
“القطاع” هل هم سحرة، مشعوذون أم أطباء
-
“لقطيع” عند البعض هو نوع من الشعوذة والسحر والدجل، يقوم المداوي من خلاله بإعطاء وصفة للمريض، يأكلها أو يرشها على جسده أو في بيته أو يرمي بها عدوه، ثم ينتظر بعض العلامات أو الإشارات التي تدل على شيء معين، فينفذ خطوة ثانية وهكذا، بينما يعرفه آخرون على أنه نوع من الحكمة أتاها الله قليلا من الناس توارثوا المداواة أبا عن جد، يعتمدون على وسائل علاجية خاصة بهم لها فعالية متفاوتة في علاج أمراض نفسية وعضوية وقف الأطباء أمامها حائرين، على غرار الصداع النصفي “الشقيقة” و”العين” و”الخلعة” و”البوصفاير”، وعادة مايعتمدون على الأعشاب الطبيعية والقرآن في العلاج.
-
ومع الإقبال المتزايد على هذا النوع من العلاج “القطيع”، يتزايد عدد ممتهنيه يوما بعد آخر يدعي أغلبهم أن لهم القدرة على شفاء أمراض استعصت على الطب فمنهم من تخصص في علاج “البوصفاير”، ومنهم من ادعى أنه يملك سر علاج “عرق لاسة”، ويتنافس آخرون مع الأطباء النفسانيين والرقاة في علاج “الخلعة” و”العين”، ويعتبر الكثير ممن نجح في استئصال مرضه عند”القاطع” أنه أنفع بكثير من العلاج عند الأطباء وإتباع الوصفات المتعددة أو الدخول إلى المستشفى لأيام طويلة دون جدوى.
-
-
شهادات مرضى عجز الطب الحديث عن علاجهم
-
معظمهم مواطنون فشل الطب الحديث في علاجهم، فجعلوا من المداواة عند العجائز والشيوخ وجهتهم الأخيرة، عمي شريف 80 سنة من بئر خادم، أصيب منذ فترة بمرض “عرق لاسة” قصد مختلف مستشفيات العاصمة، الأطباء أكدوا أنه لا يعاني من أي مرض، لكن الأوجاع نخرت جسمه الهزيل، فنصحه بعض الجيران بالمداواة عند شيخ “يقطع” في “تقصراين” ببئر خادم بعد ملازمته الفراش لستة أشهر، وما كان من عمي شريف إلا أن قصد هذا الشيخ الذي عالجه بالأعشاب الطبية واستخرج دما فاسدا من رجله ..، بعدها شفي عمي شريف تماما من مرضه وهو اليوم في حالة جيدة، عمي محمد 70 سنة من الشراڤة، هو الآخر “قطع” الخلعة منذ مدة عند عجوز دهنته بزيت الزيتون وكوته بسكين ساخن في جميع أنحاء جسمه، كررت معه العملية ثلاث مرات وبعدها شفي تماما من المرض النفسي الخوف “الخلعة” الذي لازمه لمدة طويلة، حالة أخرى قصها علينا أحد أفراد عائلة الطفل محمد الذي لم يمش على قدميه حتى سن السابعة، بعد أن قامت خالتي “تاسعديت” من أزفون بطلي الطفل بخليط من أنواع الطين وهي “الزنجار”، الحديدة والجبار مع إضافة القليل من الخل وزيت الزيتون والماء والقطران. وهو خليط يدهن به الطفل المريض عندما يعاني من مشكل في العظام، حيث يدهن رأس وصدر وقدمي الطفل بهذا الخليط وبعد معاودة هذه العملية لأربع مرات تمكن الطفل من المشي على قدميه وسط حيرة أهله.
-
وهذه سيدة من البليدة قصدت عجوزا “تقطع” ببلدية الرويبة حيث شفيت من مرض الاكزيما على مستوى اليدين، واستطاعت العجوز أن تمنحها بعض الأعشاب مثل الزنجار وعشبة أخرى تباع لدى العشابين، وهي عبارة عن حصيات زرقاء صغيرة الحجم، تضاف إليها الزبدة حتى تصبح عبارة عن عجينة زرقاء ثم قرأت عليها كلامها غير المفهوم بعدها أعطتها العجينة وطلبت منها أن تدهن بها المناطق المصابة بالاكزيما. وتؤكد هذه السيدة أنها شفيت تماما من المرض، وهي الآن برفقة شقيقتها التي تعاني ابنتها وزوجها من نفس المشكل، تقول هذه الأخيرة إنها أنفقت الكثير من الأموال لمعالجتها لدى أطباء الجلد، إلا أن لا أحد منهم استطاع منحها علاجا شافيا مثل طبيبة الأعشاب.
-
-
وآخرون ذهبوا عند المشعوذين للعلاج
-
بالمقابل هناك حالات بيّنت عدم شفائها بواسطة الطب البديل الذي يمتهنه بعض المشعوذين، منها حالة فتاة تعاني من السمنة، قصدت أحد بائعي الأعشاب بالشراڤة واشترت منه خليطا، أكد لها أنه يخفض الوزن وبعد شهر من عملية شربه أصيبت بالتهابات خطيرة على مستوى القولون. وقصّ لنا شاب يعاني من ثلاثة أمراض مزمنة قصد الشيخ أحمد ببني تامو طبيب عام ودرس الطب البديل بباكستان بعد أن ذاع صيته من طرف العديد من المرضى الذين شفيوا على يديه، أكد لنا الشاب أنه رغم شربه خليط الأعشاب لم يشف، بل أصيب بمضاعفات صحية خطيرة، وهو ينصح كل من يعرفه بعدم الذهاب لهذا الشيخ.
-
وأضافت سيدة أنها قصدت عجوزا بسيدي موسى تعالج الأطفال المرضى باستعمال قرون الكبش بعد أن تسخنها على النار ثم تكوي بها الطفل المريض، وهناك حالات أخرى تعالجها الحاجة مثلا الطفل الذي لا ينمو جسده وفقا لسنه أي أنه مصاب بخلل في الهرمونات وحتى من يملك رأسا أكبر من جسده أو المصاب بالإسهال، فهؤلاء كلهم تعالجهم بنفس الطريقة، بحيث تأخذ قطعة قطن وتضيف لها البصل والقطران ثم تدخل الكمية من الخليط وتضعه في فم الطفل المريض وتحك لسانه بالقطن حتى يتقيأ، وعندها تتأكد السيدة أنه شفي، وأضافت السيدة أن هذه العجوز أخذت منها مبلغ 8000 دج بعدما قصدتها 4 مرات، لم تتمكن من خلالها من علاج ابنها المصاب بخلل عضوي، وتضيف السيدة حورية صحفية من بلدية الشراڤة أنها أخذت ابنها المصاب بـ”الخلعة” كثرة الخوف، إلى عجوز قالت لها “أحضري سبعة حجرات دوريهم على رأس الطفل سبعة مرات وعلى بطنه سبعة مرات، ثم ضعيهم تحت وسادته…”، إلا أن الطفل لم يشف من مرضه.
-
-
الشيخ مقران أقدم معالج معتمد بالأعشاب الطبيعية بالعاصمة
-
يعتبر الشيخ مقران61 سنة الكائن مقره بجنان مبروك ببلدية باش جراح أقدم معالج معتمد بالأعشاب الطبيعية بالعاصمة، ويعتمد في علاجه على الأعشاب الطبيعية والرقية الشرعية، قصدنا عيادته الصغيرة وتحدثنا مع مساعده الذي أكد أن الشيخ مقران متواجد حالية بأولاد موسى بولاية بومرداس، أين يملك هناك عيادة للمداواة بالأعشاب، وأضاف أن الشيخ مقران يعمل على “قطع” داء “البوصفاير” باستعمال الأعشاب الطبية واستئصال الدم الفاسد للمريض من الرقبة، وهذا بعد إطلاعه على الملف الطبي للمريض، ويعمل أيضا على “قطع” مرض “عرق لاسة” باستعمال عشبة على أسفل رجل المريض، بالإضافة إلى الأعشاب الطبيعية، وقال محدثنا إن الشيخ مقران “يعالج أيضا الشقيقة بالقرآن والأعشاب الطبيعية، وعن ثمن العلاج قال إنه يتمثل في دفع مستحقات الأعشاب فقط، وكشف مساعد الشيخ رابح أن الكثير من المرضى قصدوه وقد تعقدت حالتهم بعدما قصدوا مشعوذين قدموا لهم علاجا يعتمد على طقوس غريبة لا تسمن ولا تغني من جوع، وبعد التوفيق الكبير الذي حققه الشيخ مقران في علاج الكثير من المرضى فإنه يستقبل يوميا عشرات الحالات من مختلف ولايات الوطن، وهو الذي بدأ نشاطه سنة 1986 بالعاصمة. وتجدر الإشارة أنه ينشط بسجل تجاري معتمد، وهو يعالج الرجال يوم الإثنين، والنساء يومي الأحد والأربعاء، وبعد الشيخ مقران قصدنا عددا من ممتهني الطب البديل غير أنهم رفضوا استقبالنا.
-
-
الطب التقليدي لا يمكنه علاج “البوصفاير”
-
أكد رئيس الجمعية الجزائرية لالتهاب الكبد الفيروسي السيد عبد الحميد بوعلاق أنه من المستحيل للطب التقليدي أن يعالج التهاب الكبد الفيروسي المعروف عند الجزائريين بـ”البوصفاير”، خاصة من نوع “س” لأن الأمر يتعلق بفيروسات معقدة تحللت في الدم وحتى الطب الحديث لم يجد بعد دواء كافيا وشافيا لهذا الداء الذي أصاب أزيد من مليون ونصف جزائري، وبالنسبة لالتهاب الكبد الفيروسي من نوع “أ” الذي يصيب الأطفال فهو يشفى تلقائيا بنسبة 100 بالمائة، وبالنسبة لنوع “ب”، فهو أيضا يشفى تلقائيا بنسبة 95 بالمائة، وأضاف أن الأطفال المصابين بـ”البوصفاير” يشفون من تلقاء أنفسهم، والكثير من الأولياء يستعجلون أخذ أطفالهم عند المشعوذين ومدعي الطب البديل الذين يعقدون حالة الأطفال دون علاجهم، وحذر المتحدث من الانتشار العشوائي للمشعوذين الذين يدّعون علاج “البوصفاير”، ولكن هم في الحقيقة تجار هدفهم الوحيد سرقة عقول وجيوب الناس.
-
-
الطب الحديث لا ينفي التداوي بالأعشاب ولايعترف بالشعوذة
-
يؤكد الأطباء أن الكثير من المرضى يلجؤون للتداوي بالطب الشعبي عندما يصادفون الأمراض المستعصية والخطيرة، فالمريض يتمسك بأي بصيص أمل حتى ولو كان كاذبا، وهو ما يوقعه في فخ الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون حالته الصحية ورغبته الكبيرة في الشفاء، ويمنحونه من الوصفات ما غلا ثمنه وقلت فائدته. وفي هذا الصدد تقول الدكتورة أمينة برناوي طبيبة عامة إنه من الممكن أن يستعمل الناس الأعشاب الطبية للوقاية من بعض الأمراض وهناك بعض النباتات تستعمل للعلاج، ومن الممكن أن تكون مواد أولية للصناعة الدوائية وهناك من الأعشاب من يقي فعلا من بعض الأمراض مثل السعال أو الزكام، والطب الحديث لم يتخل عن الطب التقليدي أبدا فمعظم الأدوية يتم صناعتها من مستخلصات نباتية، إلا أن ما أصبحنا نراه اليوم من تداخل في الوظائف جعل الطب البديل ميدانا فسيحا للغش واستعمال الشعوذة فهناك أمراض عديدة تحتاج إلى زيارة الطبيب ولا يمكن لأحد تشخيصها أو تحديدها بل تحتاج إلى تحاليل مخبرية وإكلينيكية لا تتوفر عند الطبيب الشعبي أوغيره. فلابد من استشارة الطبيب في بجميع الحالات.
-
-
الدين يحرم الشعوذة ويشجع على الرقية الشرعية
-
وفي رأي الدين في هذا الموضوع، أكد الأستاذ خالد لحرش حاصل على ماجستير في علوم الشريعة أن الله عز وجل خلق الداء وخلق الدواء وأساليب الشفاء مختلفة مثل اللجوء إلى الطب الحديث أو الرقية الشرعية والحجامة، والرقية الشرعية هي أحسن العلاجات لما فيها من العبادة وذكر الله، والطب الحديث هو مكمل للعلاج المشروع. أما ما يشاع عن قدرة شخص ما على علاج مرض ما عن طريق الشعوذة فهو أمر مرفوض تماما، وعلى المواطنين اتباع الطرق السليمة والابتعاد عن الشعوذة وكل ما ينافي التقاليد الطبية.