للجيش شعب يحميه
نهاية هذه السنة، ستكون بأدنى شك أكثر نهايات السنوات السابقة ثراء، من حيث مردودية تحقيق العدالة مع قطع أيادي بارونات نهب المال العام السياسي. سنة تمر على تحولات لم يسبق لها مثيل. فقد عرفنا فترات انتقالية صعبة، دموية أحيانا، لكن الانتقال هذه المرة، جاء مخالفا لكل التوقعات.
البراعة والدقة والاحترافية، التي تعامل بها الجيش الوطني الشعبي في احتواء الأزمة من البداية، وتطويق مشاريع دعاة “الفوضى الخناقة” عبر “التأسيسي” و”المرحلة الانتقامية” و”التعاسة الجماعية”، والتعيين خارج الصندوق، فشلت كلها أمام إصرار المؤسسة العسكرية، التي كانت أكثر المؤسسات تبصرا بما قد يحدث وسيحدث وحدث فعلا. هذا ليس غريبا على مؤسسة تستمد جذورها من تربية شعبية منذ آخر جيل هو جيل الثورة المسلحة وجيش التحرير الوطني والمقاومات المسلحة منذ الاحتلال الفرنسي للجزئر، سنة 1830. تاريخ من المقاومة والجهاد ضد المحتل، لا يمكن عبر شلة من القيادات التي تربت في أحضان الجيش الفرنسي والتحقت بالثورة قبيل الاستقلال لحاجة في نفس لاكوست، لا يمكن لهذه الأقلية الساحقة أن تعمر طويلا، إذ كان كافيا مرور الزمن، لكي تنتهي مدة صلاحيات اللقاح ضد الشعب، الذي دأبت فرنسا الاستعمارية على حقنه في الأجهزة السيادية، وعبر الدولة العميقة التي عمقت من الشرخ بين الشعب والجيش، في التسعينيات خاصة. يكفي أن جيل هؤلاء الثلة من المحسوبين على الجيش، والجيش الشعبي منهم براء، لكي يعود الجيش إلى اهله وشعبه ووطنه. فمنهم من رحل ومنهم من هرب ومنهم من هم في السجون.. ومنهم من ينتظر، ومنهم منه هو تحت المراقبة..
النخبة العسكرية، التي تقود هذا الجيش، الذي تحول ما بين 2004، و2019، إلى أحد أهم الجيوش بالمنطقة على جميع الأصعدة، هي قيادات، إما مجاهدة من الرعيل الأول، الذين لا تربطهم رابطة بالجيش الكولونيالي ولا بدفعة لاكوست، أو القيادات خريجة المدراس والمعاهد العسكرية الوطنية، التي أثمرتها سياسة التشبيب التي انتهجتها المؤسسة العسكرية منذ نهاية الصراع الدموي التي زجت بالجيش والشعب في مواجهة دموية أقلية متنصلة من الشعب ومن تقاليده وقيمه. هذه القيادات الجديدة، تسترجع اليوم المبادرة وتعيد إلى الجيش شعبيته وروابطه وأواصره التقليدية مع الشعب ومع جيش التحرير الوطني، وتقضي على فيروس فرنسا، الذي زرعته طويلا في أوصال النسيج الوطني عبر ربائبها في الدولة “العقيمة”، لتغريب المؤسسة العسكرية وربطها وربط كل السياية الجزائرية الداخلية والخارجية بالقرار الفرنسي.. منتزعة بذلك السيادة على القرار الوطني رغم الطلاق البائن يوم 5 جويلية 62.
اليوم، تعود الجزائر إلى الجزائريين، بفضل وعي الشعب عامة، وبفضل جهود المخلصين من أبناء الاستقلال والمجاهدين الأحرار المخلصين لدينهم ووطنهم وهويتهم.. لننهي السنة على ميلاد ثورة جديدة، برئيس جديد، يضطلع بعمل جبار خلال عهدة تمثل مرحلة انتقالية دستورية شرعية.. لا فيها غول ولا هم يحزنون.