الرأي

لماذا أمن الجزائر من أمن جيرانها؟

بقلم: نبيل كحلوش
  • 167
  • 0

إن أقرب دولة شمال إفريقية لإيطاليا هي تونس.. وأقرب دولة شمال إفريقية لاسبانيا هي المغرب. وكلاهما مجاوران للجزائر. وهذا ما يلقي عليها عبئا جيوسياسيا في مسألة توازن القوى باعتبار أن أي تدخل أوروبي في شأن هذين البلدين سيكون قائما على مسوغات جغرافية بحتة.
ويمكن تقديم مثالين عن ذلك:
برر الاتحاد الأوروبي في وقت سابق تدخله في تونس بمبرر الهجرة غير النظامية القادمة من تونس نحو إيطاليا.
كما تفاقمت الأزمة بين اسبانيا والمغرب سابقا بسبب عمليات العبور المكثفة للّاجئين الأفارقة من المغرب نحو اسبانيا.
ونتيجة لذلك، توصلت الأطراف إلى حلول حرجة قائمة على توطين اللّاجئين في تونس والمغرب عبر تسويات مع الأوروبيين، مما نجم عنه أزماتٌ اجتماعية في البلدين تطورت إلى حملات مثيرة للجدل بين المواطنين واللّاجئين.
إذن، فالجزائر تدرك بأن هذه التسويات الأوروبية-المغاربية التي مست الأمن الاجتماعي للبلدين المجاورين لها القابلية للانتقال إلى تسويات أخرى جيواستراتيجية أكثر تعقيدا، أي عسكرية وأمنية، قد تتسبب في المساس بالأمن القومي للمنطقة برمتها ومن بينها الجزائر، ولذلك فإن المقاربة الأكثر منطقية هي تبني النهج الوقائي عبر تعزيز الشراكات الأمنية مع دور الجوار -مثل تونس وموريتانيا- لسد ذرائع الاتحاد الأوروبي في التدخل أمنيا تحت غطاء التسويات والتفاهمات مع دول الجوار. وكمثال عن ذلك جرى تشكيل آلية للتنسيق الاستخباراتي مع كل من تونس وليبيا تلتقي فيها قيادات المخابرات للدول المعنية بشكل دوري.
إن هذا النهج الوقائي يلقي فعلا أعباء أمنية أكثر على الجزائر، ولكنها أعباء قد تكون أخفَّ من تلك التي ستنجم من التدخُّلات المباشرة على الحدود الوطنية للبلاد.
وكمثال عن ذلك، فإن الجزائر تكبَّدت خسائر في صفوف الجيش الوطني الشعبي بين سنوات 2014 و2016 حينما كانت الحدود متضررة أمنيًّا، إذ تلقت البلاد أعباء ثقيلة جدا، على غرار كمين تيزي وزو في أفريل 2014 الذي أدى لخسارة عددٍ من الجنود، وكمين عيد الدفلى في جويلية 2015 (الذي أتى بعد أربعة أشهر فقط من هجمات متحف باردو في تونس) وأدى لخسارة عدة عسكريين، ثم كمين سكيكدة بعد شهر واحد فقط وذلك في أوت 2015 وأدى لخسارة عسكريين اثنين، ثم تم تسجيل عملية أخرى قام بها الجيش في واد سوف الحدودية مع تونس ضد خلية خطيرة.
إن انتقال الجزائر من طور الاستجابة الاستعجالية للتهديدات الأمنية إلى المنهجية الوقائية يتطلب حتما تنسيقا أمنيا مع دول الجوار. ومن نتائج هذا التنسيق يتشكل فضاءٌ خال من عناصر التهديد، وأن تكون الاستجابة في حالة ورود أي طارئ هي استجابة استباقية وليست استعجالية فحسب. لذلك يمكن استنتاج أن الأطراف التي تعارض مثل هذا التنسيق بين دول الجوار هي في الأصل تؤيد فتح المسار للمحاور الأجنبية لتستغل الفراغ الاستراتيجي المتشكل في المنطقة، مما يسهِّل توجيه التهديدات نحو كل البلدان المغاربية بصفة منفردة من دون أي قدرة على الاستجابة الجماعية والإقليمية لهذه التهديدات.

مقالات ذات صلة