-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“إلغاء الجذع المشترك”… بين الإشادة وشروط النجاح؟

محمد بوخطة
  • 194
  • 0
“إلغاء الجذع المشترك”… بين الإشادة وشروط النجاح؟

لا يختلف اثنان في أن إصلاح المدرسة الجزائرية أصبح ضرورة وطنية، وأن تطوير منظومة التوجيه المدرسي يمثل أحد أهم مفاتيح جودة التعليم وتكوين الكفاءات التي يحتاجها المجتمع والاقتصاد الوطني. من هذا المنطلق، فإن القرار الذي أعلنته وزارة التربية الوطنية خلال الندوة الوطنية المنعقدة يوم 25 جويلية 2026، والقاضي بتوجيه تلاميذ السنة الرابعة متوسط مباشرة إلى شعب التعليم الثانوي ابتداءً من الموسم الدراسي القادم، يعكس إرادة جريئة لإحداث تحول عميق في تنظيم المسارات الدراسية.

نظرياً وعلى المستوى البيداغوجي، يحمل هذا التوجه مزية لا يمكن إنكارها، فهو يجعل التلميذ يندمج مبكراً في التخصص، ما يمنحه سنة إضافية من التكوين الموجه أو المتخصص ليصبح المجموع ثلاثا بدل اثنتين، وبفضل تقليص الحصص الهامشية التي لا تخدم التخصص المختار، سيصبح المسار الدراسي أكثر انسجاماً وملاءمة.

غير أن أهمية القرار وعمق الآثار المترتبة عليه، يثيران تساؤلات علمية ومنهجية تستوجب تقديم الإجابات الواضحة والدقيقة قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، ذلك أن مثل هذه القرارات الإصلاحية التربوية مهما كانت جريئة، فإن معيار نجاحها إنما يقاس بمدى انسجامها مع الأسس العلمية التي يقوم عليها بناء المنظومات التعليمية التربوية.

إن نبل الأهداف وطموحها مرغوب وتقديره معتبر، غير أن الحكم بجدواها إنما محكُّه الحقيقي جودة التحضير لها والموارد المُعبَّأة لتنفيذها…

بين يدي هذا القرار، وفي هذه المساهمة، سأحاول إنارة بعض الجوانب التي قد تبدو غامضة، مؤازرة لحسن بناء القرار بما يكتب له الجدوى الاستمرار..

أولًا: تحديات أربعة بين طموح الأهداف وواقع التنفيذ :

التحدي الأول بيداغوجي: تنزيل نقطة الاختيار والتوجيه إلى المرحلة المتوسطة يقتضي بالضرورة إدراج مواد جديدة تؤسس للتخصصات التي سيختارها التلميذ قبيل الالتحاق بالسنة الاولى ثانوي، لاسيما تلك المتعلقة بالهندسة أو الهندسات التي لا أثر لها في المتوسط حالياًً، وسيتفرع عنها عدد من التخصصات …

ما سيضعنا أمام تحد أولي مرتبط بإعداد البرامج، وتحديد الكفاءات المستهدفة وإنتاج الكتب المدرسية وتكوين الأساتذة… وهي ورشات معقدة قد تستهلك من الزمن أشهراً أو سنوات وليس أسابيع … فأين نحن في ذلك ..

التحدي الثاني بشري: إن تأطير هذه العملية يتطلب مورداً بشرياً كافياً من حيث العدد، مؤهلاً من حيث التكوين المتخصص، سنكون بحاجة إلى توظيف عدد معتبر من الأساتذة المتخصصين بهذا المعيار.

وسنكون بحاجة أيضاً إلى تعزيز جهاز التوجيه التربوي الذي يقوده المستشارون، وإلا فإن استحداث شعب وتخصصات نظرية دون توفير مقومات التجسيد الفعلي هو الخطر عينه.

التحدي الثالث مادي: إن المواد التعليمية التي يفترض بناء على هذا القرار إدراجها في المتوسط، لا سيما تلك المتصلة بالهندسة والتي تتطلب ورشات ومخابر وفضاءات تقنية، بينما تعاني أصلاً عديد المتوسطات حالياً ـ إن لم نقل أغلبها ـ من نقص في بنيتها التحتية.

التحدي الرابع زمني : أما التحدي الرابع فزمني، وقد يكون الأخطر: إذ كيف يُنتظر من المؤسسات أن تُحضّر إصلاحًا بهذا الحجم إذا كان المراد فعلاً تطبيقه بعد موسم، أو حتى موسمين، فهل ستكون سنة واحدة كافية لحسن الاعداد والتحضير، اللهم إلا إذا تم التخلي عن مراجعة برامج التعليم المتوسط بهدف تكييفها مع التوجيه الجديد، وهذا في حد ذاته خطر.

ولي أن أتساءل: لماذا المبادرة بالإعلان أو الاعلام المبكر دون مقدمات منهجية، مادام الأمر غير متعلق بالموسم موضوع الندوة إلا إذا كان الغرض منه مجرد عرض اقتراح للإثراء والمناقشة، ذلك ما غلب على ظني، وجعلني أبادر بمحاولتي هذه.

ثانيًا: توجيه بلا منهاج ملائم – تناقض علمي راسخ

يتجاوز الإشكال الحقيقي مسألة التنفيذ اللوجستي إلى تناقض منهجي في صميم الإصلاح: إذ كيف يُطلب من تلميذ في السنة الرابعة متوسط أن يختار شعبة دقيقة كهندسة الطرائق أو الهندسة الكهربائية، وهو لم يُهيأ بعد وفق برامج صُممت لتُعرّفه بطبيعة هذه التخصصات أو تكشف ميوله الحقيقية نحوها؟

إن الاختيار الواعي لا يتحقق بمجرد مطالبة التلميذ به، أو تعريفه به بطريقة ما، بل يفترض أن يستكشف مجالاته من خلال مسار تعليمي متدرج..

ليس هذا رأيًا انطباعيًا، بل هو مسار تدعمه بقوة أدبيات تطوير المناهج، فمنذ “رالف تايلر” (1949) و “هيلدا تابا” (1962)، يُنظر إلى المنهاج بوصفه منظومة متكاملة تضم الأهداف والكفاءات والبرامج وطرائق التدريس والتقويم والتوجيه وتكوين المعلمين، لا مجموعة قرارات منفصلة.

وقد عزّز “جون بيغز” (1996) هذا التصور بمبدأ “الاتساق البنائي”، الذي يؤكد أن أي تعديل في أحد عناصر المنظومة يستوجب إعادة النظر في بقية عناصرها، وإلا اختل التوازن.

ويسير في الاتجاه نفسه الإطار المرجعي لليونسكو والمكتب الدولي للتربية (IBE-UNESCO, 2017)، الذي يعتبر إصلاح المناهج عملية نسقية لا تُقبل فيها التغييرات الجزئية المعزولة، وكذا تحليلات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية

(OECD, 2020) التي خلصت إلى أن الإصلاحات الأكثر استدامة هي التي تبدأ بمراجعة المناهج، ثم التقويم، ثم تكوين المعلمين، ثم التجريب الميداني ( العينة )، قبل التعميم.

وعليه، فإن قرار إلغاء الجذع المشترك يسبق – في الظاهر – مراجعة البرامج التي يُفترض أن تُهيئ التلميذ لهذا التحول، بدل أن يأتي نتيجة طبيعية لها.

عكس الترتيب البنائي يثير سؤالاً مشروعاً منصفاً ومباشراً: هل من العدل أن تكون أول كوكبة محل هذا الإصلاح مطالبةً باتخاذ قرار مصيري بشأن مستقبلها، بينما درس تلاميذها طيلة أربع سنوات وفق برامج لم تُصمَّم أصلًا لإعدادهم لهذا القرار؟

ثالثا : هل نحن أمام ترتيب معكوس للإصلاح؟

في التجارب الدولية، يبدأ الإصلاح عادةً بالتشخيص، ثم بإعادة تصميم المنهاج، ثم مراجعة أساليب التقويم، ثم تكوين المعلمين، ثم تجريب الإصلاح ميدانيًا، قبل تعميمه على جميع المؤسسات.

فإذا تغيّر مثلا توقيت التوجيه ترفيعاً أو تنزيلاً ضمن المسار الدراسي، فمن الطبيعي أن تتغيّر الكفاءات التي ينبغي أن يكتسبها المتعلم قبل لحظة الاختيار، وهو ما يستدعي بالضرورة مراجعة المنهاج الذي يسبق تلك اللحظة.

أما إذا سبق القرار التنظيمي مراجعة المنهاج، فإن المدرسة تجد نفسها مطالبة بتطبيق فلسفة تربوية جديدة باستعمال برامج صُممت أصلًا لفلسفة مختلفة، وهو ما قد يخلق فجوة بين أهداف الإصلاح ووسائل تحقيقه.

لا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في وجاهة الإصلاح، وإنما بالتنبيه إلى أن نجاحه مرهون بمدى جاهزية المنظومة بأكملها، وليس بمجرد صدور القرار.

رابعاً: شواهد مقارنة بخصوص تجارب دول حوض المتوسط

تؤكد التجارب المقارنة في دول حوض المتوسط هذا التحفظ المنهجي، ففي تونس والمغرب، لا يتم اختيار الشعبة إلا بعد قضاء سنة كاملة على الأقل داخل الثانوية ذاتها (جذع مشترك ثانوي)، وليس عند الخروج من الإعدادي..

  أما فرنسا وإسبانيا فتذهبان أبعد من ذلك: تفرض إسبانيا جذعاً مشتركاً إلزامياً مدته أربع سنوات كاملة (12 إلى 16 عاماً) قبل أي تخصص، بينما تؤجل فرنسا الاختيار الحاسم إلى نهاية السنة الأولى ثانوي ضمن مسار تدريجي مرافَق يمتد على سنتين..

  إيطاليا، هي الحالة الوحيدة التي تُقارب النموذج الجزائري المقترح من حيث سنّ الاختيار (14 عاماً، عند الخروج من الإعدادي مباشرة)، غير أنها تحرص على توفير سنتين إضافيتين من “الجذع المشترك الداخلي” بعد الاختيار وقبل التخصص الفعلي، بما يشكل آلية تصحيحية تمتص أثر قرار مُتخذ في سن مبكرة.

بعبارة أخرى، بين الأنظمة الخمسة الممعروضة ( تونس، المغرب، إيطاليا، فرنسا، إسبانيا ) نظام واحد يُلغي مرحلة الجذع المشترك بالكامل، سواء قبل لحظة الاختيار أو بعدها. وهذا ما يجعل المشروع الجزائري، كما هو مطروح حالياً، حالة فريدة إقليمياً: فهو لا يكتفي بتبكير سن القرار ( كما تمارسه إيطاليا أيضاً )، بل يجمع بين هذا التبكير وغياب أي شبكة أمان تربوية قبله أو بعده، ليكون مزيجاً لا نظير له في تجارب الجوار المباشر.

لمحة مرجعية سريعة:

تونس — الجذع المشترك: سنة واحدة                    | سن الاختيار: 16 سنة

المغرب — الجذع المشترك: سنة واحدة                   | سن الاختيار: 15-16 سنة

إيطاليا — الجذع المشترك: صفر سنة قبل الاختيار / سنتان بعده  | سن الاختيار: 14 سنة

فرنسا — الجذع المشترك: سنة واحدة + مسار تدريجي على سنتين | سن الاختيار: 15-17 سنة

إسبانيا — الجذع المشترك: 4 سنوات كاملة               | سن الاختيار: 16 سنة

الجزائر (المقترح) — الجذع المشترك: 0 سنة               | سن الاختيار: 14 سنة

خامساً: تساؤلات عالقة تبحث عن أجوبة.. ومسؤولية مشتركة

تظل هناك أسئلة استراتيجية قائمة دون أن نحير لها الجواب الصحي الذي يضعنا على نقطة الانطلاق السليم :

 ما هي الدروس المستخلصة من تجارب التخصص المبكر السابقة التي عُرفت في الجزائر وأُلغيت لأسباب معروفة، وما الجديد الذي يبرر العودة إليها؟

وما مصير مستشار التوجيه في الثانوية إذا حُسمت أغلب الخيارات منذ السنة الرابعة متوسط؟

وكيف ستُحدَّد مراجع الكفاءات والبرامج، ثم كيف تبنى الجسور الضرورية بين التخصصات كآلية تصحيحية لتدارك الخطأ، لشعب لم توجد بعد في السنة الاولى ثانوي كما لم توجد بعد مواد تعليمية تؤسس لها في المتوسط ؟

وهل خضع هذا الإصلاح لدراسة أثر ومرحلة تجريب ميداني، كما تقتضيه التحولات الكبرى في الأنظمة التربوية قبل تعميمها على جميع المتعلمين؟

إن الأسرة التربوية، من مفتشين ومديرين وأساتذة ومستشاري توجيه وباحثين، تدرك أن أي إصلاح بهذا الحجم يحتاج إلى وقت كافٍ لإعداد البرامج الجديدة، وإنتاج الكتب المدرسية، وتكوين الموارد البشرية، وتجهيز المؤسسات، وإعداد أدوات التقييم، حتى تكون جميع عناصر المنظومة منسجمة مع فلسفة التوجيه الجديدة.

كما أن التلميذ نفسه يستحق أن تتوفر له كل شروط الاختيار الواعي، لأن القرار الذي سيتخذه في نهاية التعليم المتوسط قد يرسم جزءًا مهمًا من مستقبله الدراسي والمهني.

خامسا: رسالة إلى صناع القرار

إن الدعوة إلى إعادة النظر في ترتيب مراحل الإصلاح ليست دعوة إلى تأجيل الإصلاح أو رفضه، بل هي دعوة إلى تحصيل ضمانات إنجاحه.

إن الأسرة التربوية تتطلع إلى إصلاح مستدام، يقوم على الأدلة العلمية، ويستفيد من الخبرات الدولية، ويُنفذ وفق رؤية متكاملة تضمن الاتساق بين المنهاج، والتوجيه، والتقويم، وتكوين المعلمين.

وقد أكدت أعمال تايلر، وتابا، وبيغز، كما أكدت وثائق اليونسكو والمكتب الدولي للتربية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، أن الإصلاحات التعليمية الأكثر نجاحًا هي تلك التي تُبنى على منهجية نسقية، وتسبقها دراسات أثر، ومراحل للتجريب والتقييم، قبل تعميمها على جميع المتعلمين.

ويظل التساؤل الكبير مطروحاً ويلح على إجابة موضوعية مثلجة تنتظرها الأسرة التربوية :

أليس من الأجدر أن تُراجع المناهج الدراسية أولًا، حتى يصبح التوجيه المبكر نتيجة طبيعية لمنهاج جديد، بدل أن يصبح المنهاج مطالبًا لاحقًا بالتكيف مع قرار سبقَه؟

إن هذا السؤال ليس اعتراضًا على الإصلاح أي إصلاح، بل هو دعوة صادقة مخلصة تصبو إلى أن يكون الإصلاح، الذي يرسم مستقبل أجيال كاملة، مبنيًا على أسس علمية راسخة، حتى يحقق أهدافه المسطرة والمنشودة، ويكتب لنفسه النجاح والاستمرار.

إن النظام التربوي أبعد ما يكون عن أن يُتخذ مجالاً للتجريب السريع، لأن آثاره تمتد لعقود من الزمن برسوخ يصعب تحويره، ومخرجاته هي مستقبل أجيال كاملة، ومن ثم مجتمع ودولة.

إن هذه المرحلة تمثل فرصة ثمينة أمام وزارة التربية الوطنية لإثراء المشروع من خلال فتح نقاش علمي واسع مع الجامعات، وبين خبراء المناهج، والمفتشين، والأساتذة، ومستشاري التوجيه، حتى يتحول هذا الإصلاح من قرار تنظيمي إلى مشروع تربوي متكامل يستند إلى الأدلة العلمية والخبرة الميدانية، ويصبح التوجيه نتيجة طبيعية لمسار تعليمي متكامل، لا نقطة لإصلاح لم تكتمل شروطه.. لقد علمنا التاريخ التربوي أن الإصلاحات الكبرى لا تنجح بقوة القرار، وإنما بقوة الإعداد لها.

من حق التلميذ الاختيار، ومن واجب النظام التربوي أن يعده إعداداً جيداً لممارسته بوعي وإدراك وفق رؤية تربوية تُبنى على العلم قبل أن تُبنى على القرار.

لا يمكنني أن أغادر المقال قبل أن أعرج على نقطتين :

الأولى: أثمن قرار دحرجة “اللغة الفرنسية” إلى السنة الرابعة وهو ما كان مطلباً للعقلاء والمحترفين من المهتمين بالشأن التربوي لما يسببه من إرباك لتعليمية اللغة في هذه المرحلة الحساسة، إنه تصحيح كان ضرورياً.

وإني وأمثالي نطمح إلى يوم تعامل فيه اللغة الفرنسية كغيرها من اللغات الأجنبية من إسبانية وروسية وإيطالية … وتخرج من مرحلة التعليم الابتدائي بالجملة وبرؤية تربوية محضة بعيدة عن التفسيرات المؤدلجة.

أما الثانية: فقد تحدث الوزير مرات عن لجنة “لجنة جودة التعليم” تعالج مثل هذه الملفات الخطيرة والحساسة، وبالنظر إلى هذه الخطورة والحساسية فسيكون من المثلج والمفيد لو أصبحت هذه اللجنة معلومة التشكيلة لدى الرأي العام التربوي، استبعاداً لكل ما قد يثار حولها من حديث كما حدث مع اللجان السابقة…

وقد يكون من المفيد معرفة رسالة المهام المنوطة بها ومدى ارتباطها أو انفكاكها بالمكلفين الأصيلين قانوناً بمثل اختصاصها وهما : المفتشية العامة بوزارة التربية الوطنية واللجنة الوطنية للمناهج وبدرجة موالية: المعهد الوطني للبحث في التربية… ليظل السؤال الأزلي بلا إجابة لما لا : مجلس أعلى للتربية؟

على أن هذا القرار سيكون له انعكاس على امتحان شهادة الباكالوريا تنظيماً وترتيباً وإعداداً لا يخفى على المهتمين…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!