الرأي

لماذا انحدر مستوى التعليم في‮ ‬الجزائر؟

عمر أزراج
  • 11121
  • 3

لا‭ ‬يمكن أن‮ ‬يختلف أحد ما مع أي‮ ‬كان على مركزية دور المنظومة التربوية بكل مستوياتها وأنماطها في‮ ‬التنمية الوطنية سلبا وإيجابا وذلك لأن التعليم بكل مراحله وتخصصاته هو عصب أي‮ ‬بناء اجتماعي‮ ‬وثقافي‮ ‬واقتصادي‮ ‬وسياسي‮ ‬وحضاري‮. ‬

ولاشكَ‮ ‬أيضا أن تأسيس هذه المنظومة على أسس صحيحة هو أمر مشروط بتوفر عوامل كثيرة مترابطة ومؤثرة في‮ ‬بعضها البعض بدء من الإطارات المكوَنة إلى الإطارات التي‮ ‬تشرف على سير التعليم إداريا وتربويا‮ / ‬بيداغوجيا ومرورا بالمحيط الاجتماعي،‮ ‬والاستقرار السياسي‮. ‬فالتعليم كما‮ ‬يرى المفكر والمربي‮ ‬الأمريكي‮ ‬الشهير جون ديوي‮ ‬هو ضرورة حياة وتجديد لها،‮ ‬كما أن المحيط العام،‮ ‬والبيئة الاجتماعية الذين تتحرك وتنجز فيهما العملية التربوية،‮ ‬وتمارس فيهما اللغة باعتبارها مكوَنا للعقل وملكاته أيضا،‮ ‬ليس مجرد ديكور خارجي‮ ‬محايد،‮ ‬بل هو شرط النمو والتنمية وشرط لرقي‮ ‬اللغة أو انحطاطها‮. ‬وهكذا،‮ ‬فإن تحقيق المستوى المتطور في‮ ‬هذا الحقل الأساسي‮ ‬في‮ ‬حاضر ومستقبل شعبنا مرهون أولا وقبل كل شئ بالمستوى الثقافي‮ ‬والبيداغوجي‮ ‬للمعلمين الذين‮ ‬يفترض أن‮ ‬يكونوا من خيرة المثقفين المزودين بالمعرفة الواسعة والدقيقة،‮ ‬كل حسب تخصصه‮. ‬

ولكن هل‮ ‬يمكن تصور مثل هذا في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬نجد فيه المعلم الجزائري‮ ‬مهمَشا ماديا بالدرجة الأولى،‮ ‬ومشتتا نفسيا،‮ ‬ومحشورا في‮ ‬زاوية مظلمة تبعده عن المعارف الحديثة الأكثر تطورا في‮ ‬شتى الميادين‮. ‬إن مطالبة المعلمين بالتطوير المتواصل لثقافتهم المتخصصة،‮ ‬وبترقية معارفهم اللغوية والفكرية،‮ ‬ومعلوماتهم العامة ذات الصلة العضوية بالمواد الدراسية التي‮ ‬يعلَمونها للطلاب والطالبات،‮ ‬وكذا تحسين كفاءتهم فيما‮ ‬يتصل بتقنيات التدريس الحديثة والفاعلة،‮ ‬أي‮ ‬ما‮ ‬يسمى بطرق وفنيات التدريس،‮ ‬حسب ميادين مختلف التخصصات‮. ‬

‭ ‬إن تحقيق كل هذه الأمور في‮ ‬الميدان وبنجاح لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتجسد فعليا بالنوايا الساذجة،‮ ‬بل إن إنجاز مشروع بهذا الحجم‮ ‬يتطلب أولا فلسفة جديدة لمنظومتنا التعليمية تتنفس تقدم عصرنا مع ربطها ربطا محكما بتحديث العقل،‮ ‬والوعي‮ ‬بالواقع الاجتماعي،‮ ‬والمحيط العام أولا،‮ ‬ويجب إحداث تغيير جذري‮ ‬وحقيقي‮ ‬في‮ ‬موقف الدولة من إطارات التعليم والشروع في‮ ‬جعل الوضع الاقتصادي‮ ‬لهؤلاء المعلمين محترما وموفرا للانسجام النفسي‮ ‬الضروري‮ ‬لأي‮ ‬عملية تربوية وتعليمية ناجحة ومنتجة،‮ ‬وفي‮ ‬خلق المكانة الاجتماعية لهم في‮ ‬أعلى هرم السلم الاجتماعي‮. ‬

وفي‮ ‬الحقيقة،‮ ‬فإن واقع المعلمين الجزائريين المادي،‮ ‬سواء على مستوى التعليم الابتدائي‮ ‬أو التكميلي‮ ‬أو الثانوي‮ ‬أو على مستوى التعليم العالي،‮ ‬هو واقع مزري‮ ‬حقَا وهذا عامل سلبي‮ ‬وخطير جدا أدى ولا‮ ‬يزال‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى نتائج وخيمة وفي‮ ‬صدارتها اليأس والإحباط،‮ ‬والبحث عن وظائف أخرى بديلة،‮ ‬فضلا عن فقدان الثقة في‮ ‬مهنة التعليم ذاتها‮. ‬وبهذا الصدد فإنه لا‮ ‬يمكن‮ “‬أخلاقيا‮” ‬وموضوعيا أن نطالب مُدرسا من المدرسين بتحقيق التحول التربوي‮ ‬والتعليمي‮ ‬الراقي‮ ‬والنوعي‮ ‬في‮ ‬اللحظة التي‮ ‬نجد فيها وضعه المادي‮ ‬المؤثر بقوة ومباشرة في‮ ‬معنوياته،‮ ‬في‮ ‬أسفل السافلين وهو الأمر الذي‮ ‬ينغص حياته اليومية،‮ ‬ويشل طاقته،‮ ‬ويحطم طموحه‮. ‬

إن المدرس الجزائري‮ ‬الذي‮ ‬يتقاضى مرتبا شهريا،‮ ‬وهو على عتبة التقاعد،‮ ‬لا‮ ‬يتجاوز خمسين أو ستين ألف دينار جزائري،‮ ‬أي‮ ‬ما‮ ‬يعادل‮ ‬300‮ ‬أورو أو‮ ‬350‮ ‬أورو،‮ ‬لا‮ ‬ينتظر منه أن‮ ‬يقدم لنا حصادا تعليميا وتربويا‮ ‬يضاهي‮ ‬مستوى ما‮ ‬يقدمه مدرس في‮ ‬الدول الراقية التي‮ ‬تضع المدرسين في‮ ‬قمة الهرم الاقتصادي‮ ‬والاجتماعي‮. ‬ينبغي‮ ‬علينا أن نقول الحقيقة وهي‮ ‬أن المعاش الشهري‮ ‬الهزيل للمعلم أو للأستاذ الجامعي‮ ‬الجزائري‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقارن أبدا بما‮ ‬يتقاضاه معلم أو أستاذ جامعي‮ ‬حتى في‮ ‬الدول الفقيرة المجاورة للجزائر،‮ ‬أو مقارنته بما‮ ‬يتقاضاه المعلم أو الأستاذ الجامعي‮ ‬في‮ ‬فرنسا أو في‮ ‬السويد أو في‮ ‬الدانمرك فأمر خارج التفكير نهائيا ويعتبر ضربا من الخرافة‮. ‬

ومن هنا،‮ ‬فإن النقاش الدائر حاليا حول تعليم العربية الدارجة بدلا من الفصحى هو مجرد بذخ سياسي‮ ‬أو مجرد استعراض عضلات الوطنية،‮ ‬وهو في‮ ‬تقديري‮ ‬أيضا انحراف عن المطلب والطموح الشعبيين المتمثلين في‮ ‬جعل مدارسنا،‮ ‬وثانوياتنا،‮ ‬وجامعاتنا ذلك المسرح المعرفي‮ ‬الذي‮ ‬تمارس فيه اللغة الراقية وتنتج فيه الثقافة العليا العالمة،‮ ‬و”فضاء‮” ‬لتوليد الفكر والفن المتقدمين والعلم الأكثر حداثة من جهة،‮ ‬ومن جهة أخرى فهو أيضا هروب من مواجهة الحقائق التي‮ ‬تتلخص في‮ ‬عدم التعامل الجدي‮ ‬والمسؤول مع الأسباب التي‮ ‬تقف وراء استشراء وباء ضعف وانحدار مستوى كافة مراحل وأطوار المنظومة التعليمية لغويا،‮ ‬وتحصيلا فكريا،‮ ‬وثقافيا،‮ ‬وعلميا،‮ ‬ومهنيا،‮ ‬وطرائق ومناهج بحث علمي‮.‬

من العجيب والغريب أن نجد وطننا تشن فيه المعارك الوهمية حول العربية الدارجة في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تؤسس فيه بريطانيا وفرنسا وغيرهما من البلدان التي‮ ‬تحترم التعليم والمعرفة مدارس ابتدائية للتلاميذ الصغار لتدريسهم الفلسفة،‮ ‬وتقنيات التفلسف،‮ ‬وأساليب حل المعضلات الفكرية والعلمية‮.‬

إنه لابد من مصارحة أنفسنا بالحقيقة وهي‮ ‬أن التعليم المهني‮ ‬الذي‮ ‬يدرس في‮ ‬بلادنا،‮ ‬سواء باللغة العربية الفصحى نادرا،‮ ‬والمدرَجة‮ ‬غالبا أو بالفرنسية المتحذلقة،‮ ‬هو تعليم فاشل وغير مؤسس على القواعد العلمية والحضارية والدليل هو ما‮ ‬يتجلى في‮ ‬فلاحتنا المتخلفة،‮ ‬ومعمارنا المتوحش والرديء جدا والذي‮ ‬لا تتوفر فيه أية جمالية أو ذوق سليم،‮ ‬وما نراه‮ ‬يوميا،‮ ‬وعلى نحو نمطي‮ ‬مزعج ومولَد للعنف،‮ ‬في‮ ‬طرقاتنا المتشققة،‮ ‬والمنحرفة،‮ ‬والمنتجة للغبار،‮ ‬وفي‮ ‬أبوابنا ونوافذنا وشرفات محلاتنا وعماراتنا،‮ ‬ومنازلنا التي‮ ‬لا‮ ‬ينطبق عليها معيار الفن والعلم ماعدا الفوضى والقبح‮. ‬إن هذه النماذج المذكورة لا علاقة لها بما أدعوه بمشروع بناء الفضاء المعماري‮ ‬الذي‮ ‬يؤسس ويشكل الشخصية النفسية السوية لمواطنينا ومواطناتنا‮.‬

وفي‮ ‬الواقع،‮ ‬فإنه حتى اللغة الفرنسية التي‮ ‬تدرس في‮ ‬مؤسساتنا التعليمية على أيدي‮ ‬ما‮ ‬يسمى بالفرانكوفونيين الجزائريين فإنها قد‮ “‬شمَعت‮” ‬بأختام التخلف،‮ ‬ولم تعد تترجم حكمة روسو،‮ ‬أو جماليات حداثة بودلير،‮ ‬أو فكرة الحرية عند مونتيسكيو،‮ ‬مشروع بناء الذاتية الجديدة خارج خطابات الزجر والتهميش والإقصاء عند ميشال فوكو بل فإنها قد حولت أيضا إلى رطانة دارجة ممعنة في‮ ‬إفراز التخلف الإداري،‮ ‬والتقني‮ ‬والمعماري‮ ‬وهلم جرا‮. ‬والحال فإن تلقيح الفرنسية التي‮ ‬حوَلت إلى‮ “‬لغوة‮” ‬بمضمون ثقافة‮ “‬الڤـُربي‮” “‬والدوَار‮” ‬هو الذي‮ ‬جعل الفرانكوفونية في‮ ‬الجزائر مجرد تعبير عن ذهنية عشيرة،‮ ‬أو شلة،‮ ‬أو نزعة جهوية،‮ ‬وليس عن عقلانية التمدن والحضارة‮.

مقالات ذات صلة