الرأي

لماذا ترفض الملكيّة الثيوقراطية الاستفتاء الصحراوي؟!

عاد نظام الاستعمار المغربي للجلوس على طاولة المفاوضات مع ممثلي الشعب الصحراوي، في إطار القرار الأممي الأخير، يعني أنه يجلس حاليًّا وجها لوجه مع حركة تحرّر وطني كان إلى وقت قريب يعتبرها جماعة انفصاليّة، لكنه يضطرّ للحوار معها، في غياب بدائل أخرى متاحة له، مرتكزا على أمل وهميّ بأن تشكل رؤية ترامب قاعدة للتسوية في الصحراء الغربيّة.

الدبلوماسية المغربيّة روجت منذ صدور قرار مجلس الأمن 2797 في 31 أكتوبر 2025، لمغالطات الحكم الذاتي المزعوم، والذي ورد بصفته فقط مقترحا ضمن خيارات الحل الممكن للقضية الصحراوية، بينما ظلت الأجهزة السياسية والإعلامية المخزنيّة تسوّق للانتصار الكاذب بالحديث عن فرض الخطة المغربيّة لتوطين الاحتلال باسم الشرعيّة الدوليّة.

بعيدا عن كون الخطة الفاشلة لن تتكرّس على أرض الواقع، لاعتبارات ذاتية موضوعيّة يطول وقت التفصيل فيها، وهي متداولة في قراءات وتحليلات المراقبين للمسألة الصحراوية، فإنّ ما نصبو للوقوف عليه في هذه المساحة المحدودة هو ادّعاء المملكة تبعيّة الإقليم الصحراوي تاريخيًّا لمجالها السياسي، باستدعاء طقوس البيْعة القبليّة لسلاطينها، في محاولة واهنة للتنصل من استحقاق تقرير المصير لسكان المنطقة، وهذا ما سوف يفسّر لنا لاحقا خلفيات هروب القصر الملكي من فكرة الاستفتاء؟

نعود الآن إلى حقيقة القضية الصحراوية من منظور تاريخي قانوني، وهي المستند الأساسي للصحراويين في رفض الاندماج تحت سلطة المخزن المغربي، إذ يعلم الجميع أنّ ملوك المغرب لم تكن لهم يوما أيّ سيادة على إقليم الصحراء ولا ساكنيه، فهم لم يسودوا في تلك الصحاري ولا أهلها بايعوهم على الولاء، (على افتراض أن ذلك لو حصل يكون مُبررًا للمطالبة اليوم بإعادة ضمّ الإقليم)، وهو ما نطقت به محكمة العدل الدولية، في قرارها يوم 16 أكتوبر 1975م، حيث جاء فيه: “إن المعلومات توضح أنّه غداة استعمارها من طرف إسبانيا، كانت الصحراء الغربية مسكونة من طرف سكان، ورغم أنهم كانوا بدوا إلا أنهم كانوا منظمين سياسيّا واجتماعيّا تحت سلطة مسؤولين منهم، لهم صلاحية تمثيلهم، وتوضح تلك المعلومات أيضا أن إسبانيا لم تبسط نفوذها على أرض من دون سيّد”.

وفي جزء آخر من قرارها، أجابت المحكمة أنه “بالرجوع إلى المعاهدات الخاصة بسيادة المملكة المغربية، وكذا المعاهدات الدولية كلها، لم يتّضح وجود أي رابطة قانونية في تلك المرحلة بين المملكة والصحراء الغربية”.

أضف إلى ذلك، فإنّ الحسن الثاني نفسه عرض على الموريتانيين تقاسم الإقليم، في منتصف سبعينيات القرن العشرين، ثم وقَّع على اتفاق الاستفتاء لتقرير المصير، مقابل وقف إطلاق النار مع “البوليساريو”، في بداية التسعينيات.

والسؤال المسكوت عن جوابه هو: لماذا يتنصّل المغرب من الاستفتاء الشعبي في الصحراء الغربية، حيث يلتفّ ويناور بكل الطرق للإفلات منه، مستقويا بالكيان الصهيوني وعرّابه العالمي لأخذ ما لا يستحق، تحت غطاء “الحكم الذاتي”، عوض ترك الحرية الكاملة للصحراويين في اختيار ما يريدون؟

ينبغي التوضيح أن خلفية تعنّت المغرب، لا تنبع فقط من نزعاته الاستعمارية التوسّعية، لأجل نهب ثروات الإقليم، وهو الذي طمع في موريتانيا وجنوب شرق الجزائر، بل هناك ما هو متّصل جذريّا بـ”عقيدة ملكيّة ثيوقراطية”، حيث يتحفظ مطلقا ملوك المغرب على المخاطرة برؤية أنفسهم، توجّه إليهم الإهانة والمخازي من قبل الصحراويين الرافضين أن يعدّوا من بين رعاياهم، وهم الذين يدّعون أنهم أُعطوا السيادة من قبل الله وحده، فحقّ لهم ممارستها على الشعب المغربي”، وفق تعبير المجاهد الجزائري، بلعيد عبد السلام، رحمه الله، في أحد أجزاء مذكراته.

لقد كان الراحل الحسن الثاني، ونجله من بعده، يخشى رؤية سكان المغرب ينتبهون لانتخاب الشعب الصحراوي، الرافض للسيطرة، فيطرحون عندئذ هم بدورهم مشكل شرعية السيادة الوراثيّة التي تواصل السلالة الملكية ممارستها على الشعب المغربي، خاصة في ظل ما وصلت إليه المملكة من تفسخ أخلاقي وتفشّ غير مسبوق للفساد في رأس الهرم الملكي وكل حواشيه، باحتكار الإمارة والتجارة في البلد.

إن أتباع العائلة الحاكمة يعتبرون أن تلك السيادة صادرة عن الله، تعالى، وحده، أي ذات جوهر إلهي، وبناء عليه، حسب المرحوم بلعيد عبد السلام، فهم يتصوّرون أن كل مبادرة ذات طابع بشري، مثل الاستفتاء، والذي قد ينتهي إلى نتيجة التشكيك في هذا الجوهر الإلهي للسيادة العلويّة، لا ينظر إليها بعين الحذر فحسب، إنما يجب إبعادها بكل حزم ورفضها رفضا قطعيّا.

إنّ هذا الإباء يمثل السبب الحقيقي وراء تهرّب الملوك المغربيين من تطبيق قرارات الأمم المتحدة حول تقرير مصير الصحراء الغربية، ومحاولات الالتفاف عليه بكل المناورات المرحليّة الممكنة، من التقسيم إلى الاتفاق الثنائي، وصولا إلى أطروحة الحكم الذاتي التي يروجون لها اليوم على أنها الخيار الوحيد المتاح أمام الصحراويين، لكن التاريخ يعلم المستعمرين والثوار أن إرادة الشعوب لا تقهر مهما طال ليل الاحتلال، بل إن شمس الحرية ستشرق على إقليم الصحراء الغربية ويسقط ذاك النظام البالي الموروث عن عصر الاستبداد الثيوقراطي القديم.

مقالات ذات صلة