-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا حذفت “لوموند” مقالا عن الجزائر؟

لماذا حذفت “لوموند” مقالا عن الجزائر؟

حذفت جريدة “لوموند” الفرنسية، مقالا عن العلاقات مع الجزائر صدر في عدد الجمعة الماضي وقبلها بيوم في الموقع. حمل المقال الذي غطى النصف الأسفل للصفحة 25 العنوان التالي: “اختزال الاستعمار في الجزائر إلى “قصة حب” يُكمِل تَحَوُّل نظرة ماكرون نحو اليمين بشأن مسألة الذاكرة”.

 كَتب المقال “بول ماكس موران” الأستاذ بجامعة “كوت دازور”، الباحث في العلوم السياسية، ومؤلف كتاب “شباب ثورة الجزائر”. ونشرت اليومية في موقعها اعتذارا للقراء، بعد الحذف، جاء فيه: “لقد قررنا سحب مقال “بول ماكس موران” عن الزيارة الأخيرة لإيمانويل ماكرون للجزائر من موقعنا، لأنه يَنْبَني على أجزاء من اقتباسات لا تتطابق مع جوهر تصريحات رئيس الدولة. ذلك أن عبارة “قصة حب لها جانبها المأساوي” التي صرّح بها السيد ماكرون خلال الندوة الصحفية إذا كانت لها تفسيراتها المختلفة، فهي لا تشير بالتحديد إلى الاستعمار كما جاء في المقال، إنما إلى العلاقات الفرنسية الجزائرية الطويلة. تُقدِّم “لوموند” اعتذاراتها لقرائها وكذا لرئيس الجمهورية”.

لقد قرأت المقال في العدد الورقي وبدا لي أن السبب الجوهري ليس كما ذكرت الجريدة، تفسيرا يُجانب الصواب للعبارة المذكورة إنما فقرة ركز فيها الكاتب على التناقض الحاصل في مواقف الرئيس الفرنسي من العلاقات مع الجزائر خلال الخمس سنوات الأخيرة وعلى تذبذب السياسية الخارجية الفرنسية، مما يوحي إما بغياب منظور ثابت لدى الرئاسة الفرنسية في هذا الجانب أو التودد للجزائر للحصول على مزيد من الغاز نتيجة الضائقة الطاقوية، تحت غلاف قصة الحب هذه.

ذكر الكاتب في مقاله وبعد المقدمة مباشرة ما يلي: “ينبغي أن لا نغالط أنفسنا، إن الرِّهان الأساس لهذه الزيارة كان التفاوض بشأن التموين بالغاز أمام التهديد القائم بقطع الغاز الروسي. ونحن لا نعرف أو نعرف قليلا عن هذا الأمر. أما مسألة الذاكرة فقد لعبت مرة أخرى دور الواجهة لتقديم تصورات في مجال المصالحة. فقد انتقلت مسألة الذاكرة خلال خمس سنوات في الخطاب الرئاسي من “جريمة ضد الإنسانية” سنة 2017، إلى “قصة حب لها جانبها المأساوي” في 2022.  وأضاف، “لقد كنا في سنة 2017 أمام تصريحات مرشح جديد للرئاسيات، قادر على تَحمُّل مسؤولية الماضي الاستعماري… ومنذ ذلك التاريخ أدى تحول المشهد السياسي نحو اليمين بإيمانيول ماكرون إلى تشديد خطه، وهكذا قام في أكتوبر 2021 بإعادة طرح فكرة أن فرنسا هي مَن صنعت الجزائر مُصرِّحا: “هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟” هذا هو السؤال. وفي جانفي 2022 “اعترف بالمجزرة التي لا تُغتفر للجمهورية” وضحايا شارع “إيزلي” (شارع الشهيد العربي بن مهيدي حاليا) بالجزائر العاصمة سنة 1962 التي اقترفتها منظمة الجيش السري (OAS) المًدَعَّمة من قبل الجمهورية…

يكفي هذا المقتطف من المقال المحذوف من النسخة الالكترونية، (تبقى للورق قيمته)، أنْ نُسجِّل أمرين أساسين:

الأول: يتعلق بحرية التعبير المُطلَقة التي يدَّعي البعض أنها مكفولة في الأنظمة الغربية، فالمقال لم يتعرض بالقذف أو الإساءة للرئيس ماكرون إنما عبّر عن وجهة نظر كاتب بكل الاحترافية اللازمة، قد نتفق أو نختلف معه، ومع ذلك طَالَهُ مقص الرقابة.

الثاني: وهو السبب الرئيس لحذف المقال، في تقديري، ويتعلق بأن الكاتب أبرز غياب الثبات في الموقف لدى الرئاسة الفرنسية من قضايا دولية ومن بينها العلاقات مع الجزائر، كما أبرز هشاشة الموقف الفرنسي الدولي ومدى الاضطراب الجيواستراتيجي الذي أصبحت فيه فرنسا جراء سياسة الرئيس الروسي فلاديمر بوتين في أوروبا والمتوسط…

يكفي هذا لكي يتوقف دعاة حرية التعبير عندنا عن التباهي بالديمقراطية على الطريقة الفرنسية، ولِنعلم مدى الضعف الذي أصاب الغرب بعد أن واجه خصما قويا مثل روسيا… ورحم الله الشهداء فوق كل ذلك…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!