الرأي

لماذا فشلت الجزائر في بناء مشروعها الثقافي؟

عمر أزراج
  • 2604
  • 0
ح م
قصر الثقافة بالعاصمة

لست هنا بصدد تقديم بانوراما لنظرية أو لخطوط عريضة لما ينبغي أن يكون عليه “المشروع الثقافي والفكري والفني والحضاري” القادر على وضع الجزائر في مصاف الدول الراقية، وإنما أقدم فقط مجموعة من الملاحظات الأولية حول ما يحدث لأبجديات العمل اليومي من تدهور متفاقم.

وفي الواقع فإن الجزائر تفتقد لحوار وطني جدي وجامع حول الثقافة والفكر والفن على مستوى الوزرات المختصة في هرم السلطة الحاكمة والأحزاب والمجتمع المدني ومختلف الهيئات المنتخبة بما في ذلك البرلمان ومجلس الأمة والمجالس العليا المعنية بالثقافة والفكر واللغة والمنظومة التعليمية معا من أجل وضع التصور العام لمشروع ثقافي وطني له خصوصية جزائرية متفتح على تطورات الثقافة في العالم وذلك قصد بلورة سياسة ثقافية في إطار برنامج متكامل أو خريطة طريق محددة المعالم.

إن غياب هذا المشروع أمر قد حال ولايزال يحول دون البدء في السير باتجاه نهظة ثقافية وفكرية وفنية شاملة ومرتبطة بالتنمية الوطنية ذات قيمة تذكر لها تأثيرها وإشعاعها وطنيا وإقليميا ودوليا. فالسبب يعود جوهريا إلى انكماش الجزائر وانغلاقها من جهة، وإلى النظر إلى الثقافة أنها شيء ثانوي وأنها مجرد طقوس فولكلورية، ومناسبات يغلب عليها الاستعراض الارتجالي الذي يتبخر سريعا، فضلا عن انعدام الخيال الابداعي، والكفاءة، والتجربة، والوازع العلمي والفكرى لدى المسؤولين على الشأن الثقافي والتربوي والفني والفكري في بلادنا.

فالغالب على المشهد الثقافي في البلاد هو التنشيط الثقافي المرتجل الذي ينحصر بشكل نمطي في مجموعة من التظاهرات المدعوة بالثقافية وهي مجرد مناسبات لهدر المال العام، وفي عقد بعض الندوات العقيمة، وإقامة معارض للكتاب، وللفنون التشكيلية، وتنظيم الحفلات الغنائية والموسيقية الترفيهية إلى جانب عرض بعض المسرحيات، والأفلام السينمائية المستوردة أو الوطنية.

وفي الواقع فإن فقر الحياة الثقافية الجزائرية يمثل ظاهرة دائمة وبهذا الخصوص نورد شهادة أستاذ النظرية وتحليل الخطاب بجامعة فرحات عباس بمدينة سطيف الدكتور اليامين بن تومي مؤلف عدد من الكتب منها كتاب مرجعيات القراءة والتأويل عند نصر حامد أبو زيد: “تشهد الجزائر تفريخا مهما للإنسان بعيدا عن أي استراتيجية ثقافية وفكرية، حيث تتعاظم عندنا اليوم كل أشكال الكرنفالات والمهرجانات، ولكن لا وجود لأي ضوابط دراسية للإنسان. فالحديث عن حصاد ثقافي يُوهمنا أننا نملك استراتيجية ثقافية علما أن آخر تقرير لمجلس المحاسبة كما أخبرتنا الجرائد الوطنية الجزائرية يُدلِّل على فساد مالي كبير بدل أن يأتي بثماره لصالح المؤسسات والجمعيات الثقافية.

إن تأسيس البرنامج الثقافي قد سقط في جيوب المتاجرين بأحلامنا الثقافية، وهذا ينم عن غياب وعي كبير بجدوى الثقافة وبمدى إمكانية مساهمتها في الخروج من عنق الزجاجة. إن كلامي هذا لا يمكنه أبدا أن ينفى وجود فرديات وجمعيات ودور نشر تشتغل برغم كل شيء، وهناك إرادة اجتماعية تعمل بعمق على إثراء الساحة الثقافية بجد، ولكن لا وجود لحصاد ثقافي كبير في ظل ثقافة الريع التي يسيل لها لعاب التجار بدل أن تساهم في التأسيس لاستراتيجية شاملة وجذرية لما يمكن أن نسميه وعيا ثقافيا عاما، وهنا فقط يمكننا الحديث عن وعي ثقافي وحصاد ثقافي“.                

إذا كان الوضع الثقافي الجزائري العام سلبيا هكذا على مستوى انعدام المناخ الذي يفجر مواهب المؤلفين والمنتجين المبدعين الحقيقيين في جميع حقول الفكر والفنون المختلفة والإبداع الأدبي فإن صناعة الكتاب والنشر في الجزائر تعاني بدورها من الإحباط والجمود رغم وجود كم وفير نسبيا من دور النشر التابعة للقطاع الخاص التي يقدر عددها حسب إحصائيات الصالون الدولي للكتاب الذي انعقد في أكتوبر 2014 م بـ267  دار نشر إلى جانب الشركة الوطنية للكتاب التابعة للدولة. من المعروف أن تجربة أصحاب دور النشر التابعة للقطاع الخاص في ميدان صناعة الكتاب حديثة العهد ولم تنضج بعد حيث لا توجد تقاليد النشر والتوزيع الحديثة على مستوى الوطني والاقليمي والدولي. وفي هذا الإطار قال لنا مالك دار الأمل للنشر السيد سي يوسف محند أمزيان فإندور النشر الجزائرية تعاني من سلسلة من المشكلات وفي صدارتها غلاء المواد الأولية مثل الورق ومن الضرائب المسلطة على الكتب المطبوعة“.

إلى جانب ما تقدم فقد أوضح لنا هذا الناشر أن هناك انقساما بداخل النقابة الوطنية للناشرين الجزائريين وسببه طغيان المصالح الفردية عند هذا الناشر أو ذاك الناشر“. هذا من ناحية التنظيم والهيكلة، أما من ناحية منتوج دور النشر الجزائرية فإن الإحصائيات تفيد أنها مجتمعة قد طبعت ما يقرب من 1000 كتاب ثقافي في سنة 2014م ولكن هذا العدد القليل من الكتب لا يلبي حاجيات شعب تعداد سكانه 40 مليون نسمة، ويبلغ تعداد الطلاب والطالبات في بلادنا 9 ملايين تقريبا، وفضلا عن هذا فإن النسبة الكبرى من الكتب المطبوعة هي كتب قديمة ولا ترقى إلى مصاف الانتاج الفكري والإبداعي والفني ذي المستوى العالي، وأغلبها مجرد اجترار لقضايا وأفكار أكل الدهر عليها ونام حتى فقدان الوعي تماما وأعيد طبعها من جديد دون أن توزع وطنيا وفي الدول المغاربية أو المشرقية.

 أما ما يتعلق بحقل الترجمة التي تعتبر في العرف الدولي نافذة حضارية، ومسرحا للحوار مع ثقافات الشعوب فحدث عنه ولا حرج، حيث أن الجزائر لا تملك بهذا الصدد أي مشروع قابل للحياة والتنفيذ يذكر متخصص في ترجمة مستجدات وعيون الفكر والفن والأدب، وعناصر الثقافة العالمية الأخرى الراقية والمتطورة من اللغات والثقافات الحية، كما أن ترجمة الإنتاج الوطني إلى اللغات الحية لتقديم عناصر قوتنا الناعمة المعبرة عن الهوية الوطنية ميتة تماما.

إن هذا الشلل المزمن قد أصاب أيضا المجلات القديمة التي توفيت ولم نشهد حتى جنازتها، أما المجلات القليلة جدا التي تصدر من حين لآخر فهي هزيلة جدا شكلا ومحتوى، ولا تغطي جميع الحقول المعرفية وفضلا عن ذلك فهي لا توزع توزيعا محكما ومتناسقا في الوطن، أما خارجه فلا شيء قد تحقق إلى يومنا هذا. إلى جانب ما تقدم فإن حقوق المؤلفين والمنتجين عندنا يرثى لها وهي في الحقيقة عامل من عوامل تحطيم المنتج الجزائري في مجالات الفكر والأدب والفنون وهلم جرا.

في هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن وزارة الثقافة لم تنجح في وضع قانون للمؤلفين والمنتجين الجزائريين يكون في مستوى القوانين التي تعمل بها الدول التي تحترم الثقافة والفن والفكر ليصبح لهم سندا يحميهم من آفة التهميش، ومن هضم حقوقهم باستمرار، ويوفر لهم البديل في صورة ضمانات العيش الكريم من عائدات إبداعاتهم. إن نسبة 10٪ التي يعطيها القانون الجزائري المجحف للمؤلفين والمنتجين تمثل ضربة قاضية لهم وللثقافة بكل أشكال تعبيرها وأنماط حقولها المتنوعة.                             

مقالات ذات صلة