الرأي

لماذا لا تجد خُطب المساجد طريقها إلى واقعنا؟! (1)

سلطان بركاني
  • 81
  • 0

زماننا الذي نعيش أيامه وأعوامه، هو -بحقّ- زمان الخير الميسّر والهداية المبذولة. أصبح في وسع كلّ من شاء واختار، أن يسمع من دروس العلم والمواعظ ما يعجبه ويكفيه ويقنعه، ويعرف إجابة أيّ سؤال يخطر بباله، وهو جالس على الأريكة أو متكئ على السرير في بيته أو سائر في الطريق بسيارته… دعوات الخير تُسمع كلّ أسبوع من منابر المساجد، والموادّ النافعة قد ملأت شبكة الإنترنت وما تركت موقعا من المواقع إلا زاحمت فيه الفساد والتفاهة. حتى لم يعد تجّار الفساد يصبرون على كتمان غيظهم من غزو الدعاة والعلماء والمصلحين لمواقع التواصل!
ومع كلّ هذا الخير المتدفّق الجاري؛ نرى واقعنا لا يتغيّر إلا قليلا. نسمع الخطب والمواعظ في بيوت الله، ونمرّ في كلّ يوم بعشرات المقاطع النافعة على شاشات هواتفنا. لكنّ الواقع هو الواقع والحال هي الحال؛ بيوتنا على حالها في تعلقها بالدنيا وغفلة أكثر أفرادها عن الله واليوم الآخر، وشوارعنا تنضح بالفحش والبذاءة والتبرّج والغيبة وتتبّع العورات والفوضى واللامبالاة ورمي الأوساخ في كلّ مكان، وأسواقنا طبعتها الأنانية واستحرّ فيها الغشّ والتناجش والتشاحن، ومؤسساتنا اصطبغت بإضاعة الأمانة وإهمال الوظائف والأعمال… لا تكاد تسمع بمن يتخذ قراره بتغيير حاله وتنظيم حياته والتصالح مع زوجته وإصلاح أبنائه وبناته وإتقان عمله… يتكلّم الإمام في درس وخطبة الجمعة عن فرض الحجاب الشرعيّ وعن كبيرة التبرّج ويذكّر الآباء بواجبهم، فيأتي يومُ الأحد وتخرج بنات المسلمين إلى الإكماليات والثانويات والجامعات، وتخرج الزّوجات إلى الأسواق وأماكن العمل، والحال هي الحال، لا شيء تغيّر… يستفيض الخطيب في الحديث عن واجب الآباء والأمّهات في تربية الأبناء ومنعهم طَرْق أبواب الشرّ والفساد؛ فتمرّ الأيام والأبناء يملؤون الشوارع بصراخهم وسبابهم وخصامهم وسوء أخلاقهم، بل ويجتمعون في أوكار المخدّرات على ما يسخط ربّ البريات وفاطر الأرض والسماوات… يحذّر الإمام جموع المصلّين من قطع الأرحام، فتمرّ الأيام والأسابيع والأشهر وتأتي الأعياد وتنقضي، والحال هي الحال، تستمرّ القطيعة والعداوات بين الأقارب والإخوة ولا تسمع بقريبين اصطلحا وأصلحا ما بينهما، كلّ طرف يقول أنا المظلوم والآخرون هم الظّالمون… يتكلّم الإمام عن أذية الجار، فلا تسمع بجارين تصالحا… يتحدّث عن خيانة أمانة المنصب والوظيفة، فلا تسمع عن موظّف تاب إلى الله من التهاون بوظيفته… يتشعّب في الحديث عن الغشّ في التجارة، فتمرّ في الأسواق فلا تجد أثرا لكلامه… فلماذا يا ترى لا نكاد نرى في واقعنا أثرا لدعوات الأئمّة ونصائح الدّعاة؟ لماذا أصبح كلّ واحد منّا يُقنع نفسه بأنّ الكلام لا يعنيه وإنّما يعني أناسا آخرين، وإن تنازلت نفسه وأقرّت بأنّها معنية بالخطاب فإنّه يجد لنفسه الأعذار بأن يؤجّل الإصلاح أو يعرض عن التفكير فيه؟

الحقّ أنّ هذا الواقع له أسباب كثيرة، نشير إلى بعضها:
الخضوع للأنفس الأمّارة بالسّوء في أهوائها وأمانيها!
لعلّ أهمّ سبب في عزوف كثير من المسلمين عن العمل بما يسمعون، هو اتّباع الهوى وطول الأمل… يسمع الواحد منهم النصح والموعظة، فيحسّ في قرارة نفسه بأنّه معنيّ بما سمع، ويشعر بداعٍ في داخله يحدوه ليتّبع ما قيل ويعمل بما سمع. لكنّ نفسه الأمّارة بالسّوء تقنعه بأنّ وقت الإصلاح ما يزال لم يحن، وأنّ العمل بكلام الإمام لم يأن أوانه… وهكذا يظلّ هذا العبد يسمع الكلام في المسجد أو من الهاتف، فيعجبه، لكنّه لا يعمل بشيء منه! هو يعترف بأنّ ما سمعه حقّ ويُقرّ بتقصيره وغيرُ راض عن حاله، لكنّه يطيع نفسه الأمّارة بالسوء التي تقنعه بأنّه لا يزال أمامه عمر طويل يكفي للإصلاح والصّلاح… وهذا -لا شكّ- غرور ومخاطرة، إذ لا يعلم العبد أنّ كلّ يوم يؤجّل فيه التوبة والتغيير والإصلاح سيكون وبالا عليه، يزداد فيه قلبه قسوة وتزداد نفسه غفلة، ويصبح التغيير أصعب والتوبة أثقل… وربّما يظلّ العبد على حاله حتى يبلغ سنّ الشيخوخة إن لم يفجأه الموت قبل ذلك، فيجد بين جنبيه قلبا أقسى من الحجر ونفسا لا تلين ولا ترعوي؛ فمَن جار على شبابه جارت عليه شيخوخته، ومن أهمل قلبه انفلت من يده.

“الكلام لا يعنيني”!
من الأسباب التي تجعلنا نسمع الكلام ولا نعمل به، أنّ الواحد منّا مهما كان مفرّطا وموغلا في الغفلة والمعاصي، فإنّ نفسه الأمّارة بالسّوء تقنعه بأنّه غير معنيّ ولا مقصود بالمواعظ والخطب والدّروس، وأنّ هناك من هم أسوأ منه حالا، ينطبق عليهم كلام الإمام أو الداعية… تجد هذا العبد يسمع خطبة مؤثّرة، فتعجبه، ويخرج ليحدّث النّاس مِن حولِه بأنّ الخطبة كانت مؤثّرة، لكنّه يتحدّث وكأنّه غير معنيّ ولا مقصود بما ورد فيها! ولهذا نجد في واقعنا ونسمع أكثر الناس يقولون بعد كلّ خطبة: حدّثنا إمامنا اليوم عن أولئك الذين يفعلون ويفعلون… ولا نكاد نجد من يُطرق مستشعرا بحاله ومقاله أنّ الكلام يصف حاله وحال بيته وعمله!
العبد الذي يخاف الله ويحذر الدّار الآخرة، يتّهم نفسه دائما، وينظر إلى حاله على أنّه أسوأ النّاس وأبعدهم عن الله، ويستشعر بأنّه مقصود بكلّ موعظة وكلّ توجيه، كما قال الله: ((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ))… بينما العبد الغافل المغرور ينظر إلى نفسه بأنّها أطهر النفوس ويغضّ بصره وبصيرته عن عيوبها وسوءاتها؛ حاله كما قال الله: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم)).

شهوة الانتقاد والبحث عن النقائص والعيوب!
من الأسباب التي تجعلنا نسمع الكلام ولا نعمل به؛ طغيان شهوة الانتقاد والاستدراك والبحث عن العيوب وتصيّد العثرات، في النفوس… تجد العبد يسمع كلاما ينطلق من الواقع ويصف ما يعيشه النّاس ويرونه كلّ يوم رأي العين، كلاما يحسّ السامع في داخله بأنّه معنيّ به، لكنّ نفسه تبحث له عن أيّ عذر ولو كان واهيا لتقنعه بأن يصرف نظره عن العمل بما سمع… تبحث له -مثلا- عن عيب في الإمام والخطيب أو الداعية، أو عن زلّة في كلامه، فتعظّمها في عينه، وتغريه بأن يقصر نظره على ذلك العيب أو تلك الزلّة، وتنسيه كلّ الخير والنّفع والنصح الذي ورد في الكلام… ورغم أنّ هذا العبد معنيّ بما قيل، لكنّه يخرج ليحدّث النّاس عن زلّة الإمام وعن عيبه، ليريح نفسه ويجد لها العذر في عدم العمل بما سمع! مثله مثل الذّباب؛ يترك جسدا كاملا صحيحا ويبحث عن موضع جرح ولو كان بحجم رأس الإبرة ليقع عليه.
وربّما يملي الشّيطان على لسان هذا العبد كلمات يصدّ بها النّاس من حوله عن العمل بكلام الإمام أو الداعية، فيقول مثلا: “إمامنا لم ير في الواقع إلا هؤلاء الذين تحدّث عنهم! لماذا لم يتحدّث عن أولئك وأولئك؟”! يتحدّث الإمام عن برّ الوالدين، فيخرج هذا المفتون بنفسه ليقول للنّاس: ولماذا لا يتحدّث إمامنا عن الوالدين اللي ضيعوا أولادهم؟! يتكلّم الإمام عن أكل الميراث وأخذ أموال الناس بالباطل وجحد الدَّين، فيخرج هذا المفتون بنفسه ليقول للنّاس: ولماذا لا يتكلّم عن أولئك الذين يسرقون الملايير ويبيعون البلاد في المزاد؟ مع أنّ الإمام ربّما تكلّم عن ذلك في مناسبات أخرى… يتحدّث الإمام عن التجار الذين يغشّون في التجارة ويحلفون كذبا، فيخرج هذا المفتون بنفسه ليقول للنّاس: ولماذا لا يتحدّث الإمام عن أولئك الذين أرهقوا التجّار بالمماطلة في سداد الديون وجحدها؟ يتكلّم الخطيب عن التبرّج وعن بنات المسلمين الكاسيات العاريات، فيخرج هذا المفتون بنفسه ليقول للنّاس: ولماذا لا يحدّثنا عن كبار التجار الذين يستوردون هذه الألبسة؟ وإذا تكلّم الإمام عن مسؤولية “المسؤولين” صغارا وكبارا؛ فإنّ هذا المفتون بنفسه سيخرج ليقول: النّاس أهلك بعضهم بعضا بالظّلم وأكل الحقوق والعداوات، وإمامنا منشغل بالسياسة! المهمّ بالنسبة لهذا العبد لنفسه أن يجد حجّة يبطل بها كلام الإمام ويصدّ بها النّاس عن العمل بما سمعوا! أصبح جنديا من جنود إبليس في الصدّ عن سبيل الله وهو لا يعلم.

للحديث بقية بإذن الله…

مقالات ذات صلة