لماذا لا يستقيل الجزائريون ويخافون من الإقالة؟
القليل منا من يؤمن بأن البقاء في موقع المسؤولية ليس جنة وأن مغادرة المناصب ليست جهنم، والكثير من المسؤولين يتمنون الموت في مناصبهم ولا يتقبلون الإقالة أو الانسحاب، ولا يستقيلون مهما طال بهم الزمن في مواقع المسؤولية، ومهما كان مستوى أدائهم، ليس لأنهم يتشبثون بكراسيهم لما فيها من مزايا وفوائد فحسب، وليس لأنهم لا يملكون مهنة غير مهنة المسؤولية، ولكن لأنهم يخافون من العاقبة، وما سيحدث لهم لو غادروا مناصبهم وعادوا إلى حيث كانوا قبلها، دون حرس وخدم وحاشية، ودون مطبلين ومزمرين ومتملقين وانتهازيين، لذلك لا يستقيل إلا من رحم ربك، ولا يتقبل الإقالة كل من ذاق طعم المسؤولية، ويسعى إلى التشبث بكرسيه كل من يتذكر مصير من سبقوه بعد الإقالة من مناصبهم ..
إذا استقلت أو أقلت من منصبك في الجزائر، أو انتهى عهدك فغالبا ما تنتهي الحياة بالنسبة إليك، وعائلتك وكل أحبابك وأصحابك، لأن من يأتوا بعدك من الانتهازيين والمتسلقين لن يتركوك وشأنك، بل يتكالبون عليك ليشمتوا فيك، ويلصقوا بك كل التهم والعيوب والسلبيات، ويخفون فشلهم بالتذرع خلف من سبقهم، بعدما كانوا يطبلون ويزمرون له سعيا للحصول على رضاه والتقرب منه..
الأمر لا يتوقف عند صغار المسؤولين والمديرين ويتعداه إلى أكبر من ذلك بل مسّ حتى رؤساء الجزائر الذين لم يسلموا من ممارسات وذهنيات لا أخلاقية تسود الكثير من الأوساط الرسمية والمؤسساتية وحتى الحزبية والشعبية على حد سواء منذ أحمد بن بلة رحمة الله عليه، الذي كان زعيما ثوريا وطنيا وقوميا عندما كان رئيسا، وبعد الإطاحة به تحول إلى دكتاتوري وأناني وخائن ورجعي وسجين لفترة تفوق فترة سجنه أثناء حقبة الاستعمار، ومن بعده جاء الدور على المرحوم هواري بومدين الذي كان على مدى ثلاثة عشر عاما قائدا وزعيما مرعبا، وكنا نعتقد بأن الموت سيرحمه من ألسنة الجبناء الذين لم يكن باستطاعتهم النظر إلى وجهه رئيسا عندما يقفون أمامه، فصار بعد وفاته انقلابيا ودكتاتوريا وتلصق به كل النعوت السيئة، أما الشاذلي بن جديد رحمة الله عليه، فقد كان الكل يخاف منه ويتودد إليه رئيسا وعندما غادر الحكم لم يجد من يتصل به ويسأل عن صحته وأسرته، فعاش بقية عمره متألما من مزوري التاريخ والحقائق.
الطيب، الوطني المرحوم محمد بوضياف لم يشفع له تاريخه ورصيده لكي يسلم من ألسنة السوء التي همشته حيا، ونهشت جثته ميتا بكل النعوت والأوصاف الخبيثة وراحوا يقتلونه بالنسيان والنكران، كلما حلت ذكرى وفاته وكأنه لم يكن !!
الرئيس الأسبق ليامين زروال لم يشذ عن القاعدة لأن أقرب المقربين منه اتهموه بالجبن والتهرب بعدما استقال وانسحب، وحرمهم من الاستمرار في استغلال نفوذهم، فكان مصيره تغييبه عن الساحة ونكران دوره في إطفاء نار الفتنة بانتهاجه سياسة الوئام المدني، ولكن لحسن حظه عرف بزهده في مناصب المسؤولية فكان الانسحاب بالنسبة إليه جنة ينعم فيها مع أهله في مسقط رأسه ..
هكذا كان حال الرؤساء فما بالكم بالبسطاء من المسؤولين على كل المستويات الرسمية والحزبية الذين يستقيلون أو يقالون من مناصبهم، فمنهم من مات غيضا أو دخل السجن، وبعضهم لم يجد من يرفع عليه سماعة التلفون، لكي يسأل عنه وعن أحواله، وفئة أخرى لم يعد لها مدخولا يحفظ لها كرامتها، بل وصل الأمر بنا إلى حد الإساءة إليهم والحقد عليهم وتخوينهم وتدميرهم انتقاما منهم ليس لسبب إلا لكونهم كانوا مسؤولين، حافظوا على الأمانة وقاموا بواجبهم ونجحوا في مهامهم، أما المسؤولون الذين فشلوا مهنيا ونهبوا وسرقوا ودمروا الوزارات والإدارات وأفسدوا الأخلاق فتجد الكثير منهم ينعمون رفقة أبنائهم وعشيرتهم بما سلبوه من أموال ونالوه من مزايا وامتيازات، وتجدهم يذكرون بكل خير لأنهم كانوا متساهلين وفاشلين ومتواطئين مع قوى الشر..
الرجال الحقيقيون في جزائر اليوم صاروا أولائك الذين يرفضون المسؤوليات ليس تهربا أو خوفا من تحملها، ولكن خوفا وتهربا من عاقبة الإقالة أو الاستقالة، وخوفا وتهربا من أعداء النجاح وممارساتهم الجاحدة والحاقدة على كل مجتهد وناجح وكفئ، يسعون بكل الطرق إلى تحطيم إنجازاته وتخوينه وتسويد صورته ليعم الفشل والجهل والنهب والفوضى، وتضيع مصالح الناس ويضيع الوطن ..